12 يناير 2015 4:03 ص
أخبرني.. أين تذهب بعد التاسعة مساءً؟

 < أصبح من المؤكد أن يطبق نظام إغلاق المحال التجارية في السعودية عند التاسعة ليلاً، بعد أسابيع قليلة، وهذه الخطوة جاءت بعد مطالبات عدة منذ عقود، من أجل ضبط سلوكيات المجتمع أولاً. وثانياً، الإسهام في خفض استهلاك الوقود والطاقة. وثالثاً، تخفيف الزحام من الطرقات والشوارع، التي تبقى يقظة حتى وقت متأخر من الليل، وهو ما يقلق الجهات الأمنية.
أما الشيء الأهم في القرار أنه سيسهم في خلق بيئة آمنة للنساء العاملات في محال بيع المستلزمات النسائية، وقطاع التجزئة، فهناك ما يقارب 300 ألف سيدة يعملن في هذه المحال، وفضلاً عن أنهن لا يقدن السيارة؛ إلا أنهن كن ينهين أعمالهن عند الـ11 أو الـ12 ليلاً، وهو ما يجعل أولياء أمورهن يترددون في توظيفهن أو السماح لهن بالعمل، وربما تنشأ من أجلها خلافات أسرية، وقليل منهم من يسهم في توفير بيئة عمل لابنته أو زوجته أو أخته، والقرار سيساعد في نمو سوق العمل النسائية.
في كل الأحوال، هذا النظام مطبق في دول عدة، وليس جديداً حتى يثار الجدل والنقاش حوله، فمثلاً في مدينة بيرزبن الأسترالية بعد السابعة مساء تبدأ المحال التجارية في الإغلاق، ويركض العاملون إلى محطات الحافلات والقطار، يريدون اللحاق بها قبل أن تتوقف عند الساعة الـ12 ليلاً إذ تقل الحركة، وتبرمج حافلات النقل العام مواعيد رحلاتها مع أوقات خروج الموظفين، وتبقى محال المواد الغذائية والمطاعم ودور السينما والمسارح، وغيرها من الفعاليات والأنشطة الفنية حتى منتصف الليل، إذ تكون في الخارج سيارات الأجرة في انتظار الركاب. وهكذا يجد الناس -ولاسيما الموظفين- متسعاً من الوقت؛ للاستمتاع بوقت كافٍ لممارسة أنشطتهم الاجتماعية، وأيضاً تخفيف الزحام عن الشوارع. وفي رحلتي الأخيرة إلى مدينة ليما عاصمة بيرو، كنت أرى من نافذة الفندق الذي أقمت فيه، حركة الناس على الرصيف في السابعة صباحاً، إذ تشهد حركة كبيرة من المشاة، يتحركون في كل صوب مستخدمين الرصيف للوصول إلى أعمالهم وحافلات النقل، وينتشر في مختلف الطرقات رجال المرور، وعلى رغم أن البلد تعد من الدول الناشئة، إلا أن النظام هو سيد الموقف، الحافلات وسيارات الأجرة هي الوسيلة الوحيدة التي يستخدمها الناس للذهاب إلى أعمالهم، وعند السابعة مساءً يعودون إلى منازلهم، والحال نفسه بالنسبة إلى المتسوقين، إنما في المقابل تنتشر الحدائق العامة، إذ يمضى الكثيرون أوقاتهم في هذه الحدائق المفتوحة، لا توجد هناك شركات تديرها وتستحصل رسوم، كما هو معمول في المتنزهات والحدائق؛ التي تطرحها أمانات المدن لاستثمارها من القطاع الخاص، وتتحول هذه الحدائق إلى حصالة لجمع الأموال، مع خدمات رديئة وعمالة سيئة.
قرار إغلاق المحال عند التاسعة مساءً؛ صحيح سيخفض ساعات العمل، ويضبط سلوكيات المتسوقين، إنما الجهات المختصة التي أسهمت في إعداد دراسة إغلاق المحال، لم تقدم حلولاً ومقترحات، ولم تجب على بعض الاستفسارات، فالناس تسأل: ما مصير صالونات التجميل؟ وهل ستغلق في الموعد نفسه؟ وما مصير المحال التي لديها ترخيص تمديد الوقت من الشرطة أو البلدية؟ هل سيغلق الجميع محالهم في الوقت نفسه؟ أم ستجد محلاً لديه تصريح تمديد الوقت، وآخر في النشاط نفسه يغلق في الوقت المحدد. وتتحول العملية إلى وساطات من أجل الحصول على تراخيص، وتنشط في المقابل بيع تراخيص التمديد وكسب غير مشروع للجهات الحكومية. والأمر الآخر: كيف سنتعامل مع القرار الجديد؟ أوقات الصلاة وإغلاق المحال، بعملية حسابية بسيطة، إذا افترضنا أن مدة الإغلاق للمحل أوقات الصلاة 40 دقيقة، ويصادف أربعة فروض من الظهر إلى العشاء، هذا يعني أن ثلاث ساعات أهدرت من إجمالي الوقت، ومسألة تأخير صلاة العشاء إلى وقت متأخر أمراً لن يؤدي إلى نتيجة، فهذا غير معمول في أي من الدول العربية والإسلامية، وتحتار ما علاقة غير المتسوقين في تأخير الفريضة، فمن الأفضل على الجهات المعنية أن تعيد النظر، وأعتقد بأنه أمر مطلوب وهو عدم إغلاق المحال أوقات الصلاة، وترك هذا الشأن للناس، للتعامل مع أوقات الصلاة كما هو معمول في الكثير من الدول الإسلامية، وما زلت أقول: إن قرار التاسعة من وجهة نظري غير ناجح كتطبيق عملي، إما أن يكون الثامنة أو العاشرة ليلاً، ولاسيما أن القوى الشرائية في الأسواق تبدأ قبل المغرب وتصل ذروتها بعد العشاء. وعادة بعض المناطق ينتهي صلاة العشاء في الصيف الثامنة والنصف، وهذا يعني أن الوقت المتاح له فقط 30 دقيقة، فهل يعقل أن يستطيع البائع أو المتسوق قضاء حاجته! هذا الأمر يحتاج إلى إعادة نظر.
أما الأمر الآخر الذي يدعونا إلى التساؤل: كيف غاب عن الإدارات الحكومية المعنية بالدراسة وهي: وزارات الشؤون الإسلامية والتجارة والعمل والبلدية والكهرباء وهيئة الأمر بالمعروف، إيجاد برامج أخرى لتغطية مساحة الفراغ الذي سيحدثه القرار، فالتسوق هو أفيون الأسر في السعودية، 30 في المئة فقط من مرتادي الأسواق الذين يشكلون قوة شرائية، أما البقية فهم يتفسحون ويمضون وقتاً فيها مع أبنائهم، حتى إن بعض النساء وأيضاً الرجال وجدوه مكاناً لممارسة المشي فيها، لماذا لم تشرك في إعداد الدراسة جهات مثل هيئة السياحة ووزارة الثقافة والإعلام؛ لتطرح مقترحات وأفكار لتنظيم فعاليات وبرامج، مثل إعادة تنشيط المسارح والحفلات الفنية، أو إعادة تشغيل السينما التي كانت موجودة في السبعينات الميلادية.
الناس تريد أن تملأ وقت فراغها الذي سيوجده القرار، أما تركهم هكذا وعدم الاهتمام بهم؛ فهذا يعني أنه قرار أناني، ليس عيباً أو مخجلاً أن يتأخر صدور القرار، إنما من المؤسف أن يصدر من دون إدراك بأهمية مصالح الناس وحاجاتهم.

اقرأ ايضاً لجمال بنون

الدعم الحكومي للسلع.. ذَهَبَ سدى
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
856
4.16 د
0
0
بعض الدول العربية.. تشبه اليونان
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
784
3.55 د
0
0
لا عمرة.. إلا بتصريح
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
839
4.11 د
0
0
السعودية تفتح نافذتها على روسيا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
753
3.45 د
0
0
الكلمات 753 | للقراءة 3.45 د | قراءة 176 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *