24 أغسطس 2013 3:04 ص
الأزمة المصرية والدعم الخليجي

 تمر مصر بأزمة عميقة منذ أكثر من عامين، فخلال هذين العامين، مرّ على مصر أربعة رؤساء، اثنان منهم من العسكريين، وتلاهما واحد من جماعة «الإخوان المسلمين». والواقع أنّ تلك الجماعة حاولت اختطاف الثورة المصرية، وتمكن مرسي من الحصول على 15 مليون صوت ناخب، غير أنّ المظاهرات التي شهدتها مصر أواخر شهر يونيو الماضي وشارك فيها أكثر من 22 مليون محتج، أعطت شرعية لإسقاط نظام «الإخوان»، وهناك من يدّعي أن مرسي ونظامه يمثلان «الشرعية» التي وصلت إلى الرئاسة من خلال صندوق الاقتراع. غير أنّ هناك آخرين يرون أنّ مثل هذا العقد الاجتماعي قد انفرط أيضاً بتصويت الملايين التي خرجت في الثلاثين من يونيو ضد نظامه.

والشرعية، أي «الاعتقاد في الحق بالحكم» تبنى على واحد من ثلاثة مفاهيم رئيسية يقدمها ماكس فيبر، أولها هو السلطة التقليدية القائمة على التاريخ والعادات، وثانيها كاريزمية الزعيم السياسي، وثالثها السلطة القانونية المستمدة من الدستور والانتخابات، وغيرها من مؤسسات الدولة المدنية الحديثة. والحقيقة أن الشرعية في مصر تعيش في أزمة عميقة، فـ«الإخوان المسلمون» يزعمون أنهم يمثلون السلطة الرئيسة في البلاد، متجاهلين السلطات والمؤسسات التاريخية في مصر مثل الأزهر والكنيسة القبطية، وغيرهما من المؤسسات والأحزاب، دينية كانت أم مدنية.

أما معارضوهم فيرون أن شرعية الدولة الحالية في مصر تنبع من معاناة الشباب الذين أطاحوا قبل عامين بحكومة حسني مبارك، وكذلك من قدرتهم على جمع كل ذلك العدد الهائل من توقيعات المصريين الذين سحبوا ثقتهم من مرسي، ومضوا إلى الشوارع ليؤكدوا حجب هذه الثقة عنه. وبمعنى آخر، فإنّ الشرعية الثورية، أو شرعية التصويت المباشر، قد حلّت محل شرعية التصويت بالنيابة السابقة.
أما الحكومة الانتقالية الحالية فإن شرعيتها مستمدّة من عزمها على فرض الاستقرار والأمن للمواطنين، بعد أن غدت حياتهم مهددة، وأصبح عيشهم صعباً. فالأمن وحفظ الحياة هما من أول متطلبات الشريعة، وهدفا أي نظام سياسي رشيد في أي بقعة من العالم. ويتبع هذه الأولوية إيجاد الفرص العملية والوظيفية لجحافل من الشباب، الذين غدوا أداة في يد بعض الجماعات السياسية. وبعد أن تستتب الأمور يمكن وضع الأطر السياسية والدستورية التي تتفق عليها القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، ويصادق عليها الناخبون، وبذلك تعود الدولة ليكتمل بناؤها وتكتمل شرعيتها. وبمعنى آخر فإن خريطة الطريق التي أعلنتها الحكومة المؤقتة الحالية تعتبر جزءاً من شرعية بقائها في السلطة.

وعلى أي حال، فإن «الإخوان المسلمون» الذين ظلّوا لمدة 80 عاماً ينظّمون أنفسهم للانقضاضٍ على السلطة، نجحوا في منتصف عام 2011 في الوصول إليها. غير أنّ ولعهم بالسلطة، أو «الغنيمة» كما يسميها المرحوم الدكتور محمد عابد الجابري، قد جعلهم يتقاسمون مناصب السلطة فيما بينهم، ويحاولون نشر إيديولوجيتهم السياسية في معظم مفاصل الحياة المصرية، آملين في إنشاء دولة جديدة للفقيه في مصر، على النمط الإيراني.

وفي نفس الوقت، فشلوا في تلبية حاجات الشعب الأساسية من غذاء ودواء واقتصاد وطاقة وغيرها، وحاولوا بكل ما أُوتوا من قوة إبعاد القوى المدنية الجديدة في مصر، وظلّوا على عدائهم القديم مع المؤسسات العتيدة في البلاد، كالجيش والشرطة والأزهر، والأقلية القبطية. ولذلك، فحينما هبّ الشعب ضد الهيمنة السياسية الدينية الجديدة في بلاده، التحمت هذه القوى من جديد، ونجحت في إسقاط نظام «الإخوان».

ويبدو أن «الإخوان» خلال العقد الماضي قد نجحوا في فتح حوار معمّق مع الولايات المتحدة، ومع القوى الأوروبية الأخرى، ولذلك، فحين وصولهم إلى السلطة، كانت الطرق معبّدة مع القوى الدولية، التي لم تمانع في الحوار والتعاون مع قوة جديدة تصوروا أنها تستطيع تحريك الشارع، بل والوصول إلى السلطة في أكثر من بلدٍ عربي ممتد من تونس وحتى سوريا والأردن واليمن. غير أنّ الوصول إلى السلطة شيء، وممارسة الحكم الرشيد شيء آخر، وخاصة إذا كان الرئيس الجديد لا يتمتع بخبرة ودراية كافية في شؤون الحكم، ولا يستطيع اتخاذ القرارات السياسية بمفردة، دون الرجوع إلى الحزب الذي أوصله إلى كرسي الرئاسة.

وبعد أن استلمت الحكومة المؤقتة السلطة في مصر، حاولت إيجاد الأمن والاستقرار المطلوبَين في بلدٍ ضخم يعاني من أزمة عميقة من عدم الاستقرار. ولهذا، فإن مصر بحاجة إلى دعم ومساندة من كافة الدول العربية الشقيقة التي تحاول مدّ يد العون ومؤازرتها في وقت المحنة، حتى تستطيع أن تتخّطى هذه الفترة العصيبة.

ولقد قدّمت المملكة العربية السعودية الدعم والمؤازرة للحكومة والشعب المصري عبر مِنح وقروض بأكثر من خمسة مليارات من الدولارات، وإرسال ثلاثة مستشفيات ميدانية للمساعدة الإنسانية. كما بلغ إجمالي حجم المساعدات الخليجية حوالي 12 مليار دولار، وهو ما يخفف من الضغوط الغربية على مصر بتجميد المساعدات إليها خلال الفترة الحالية. غير أن هذا لن يكون سوى حلقة وحيدة فد تخفف من الضغوط على النظام السياسي المصري الحالي، فمصر بحاجة إلى قروض رسمية وتجارية من بلدان وبنوك متعددة. وكلما تدفقت عليها المساعدات الرسمية، سهل عليها الاقتراض غير الرسمي ونجحت في إعادة ثقة المستثمرين في اقتصادها. فطبيعة النظام السياسي والاقتصادي الدولي الحالي تعتمد على التداخل والتآزر بين الدول والمؤسسات التجارية والمالية والأفراد.

وتعمل السعودية وبقية دول الخليج العربية جادّة بكل الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية لدعم مصر ومؤازرتها في هذه الأوقات الصعبة، حتى تعود لتلعب دورها التاريخي كمركز ثقل حضاري وسياسي في العالم العربي.

اقرأ ايضاً لد. صالح عبد الرحمن المانع

عاصفة الحزم.. نجاح عسكري ودبلوماسي
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
628
3.80 د
0
0
الحراك الدبلوماسي السعودي
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
613
3.30 د
0
0
الحوثيون وتشظّي اليمن
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
633
3.90 د
0
0
ثمن الانحياز الأميركي
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
732
3.39 د
0
0
الكلمات 732 | للقراءة 3.39 د | قراءة 225 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *