09 فبراير 2013 2:17 ص
الأمير مقرن بن عبدالعزيز.. «المدير التنفيذي»

تسمّرت مساء الأربعاء الماضي أتابع الفيلم التسجيلي (Commanding Heights) الذي عرفت أنه الفيلم المفضل عند الأمير مقرن بن عبدالعزيز، الذي عيّن أخيراً نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، وذلك بغرض أن أعرف الأمير أكثر، وهو يتبوأ هذا المنصب الرفيع الذي ينقله إلى الصف الأول في القيادة السعودية، بعدما خدم في مواقع تنفيذية محلية وموقع سياسي هو الرئاسة العامة للاستخبارات.
سمعته ذات مرة حينما كان أميراً لمنطقة المدينة المنورة يشكو مما شكا منه غيره من المسؤولين التنفيذيين من «أن أفضل الأفكار والنوايا تقتلها البيروقراطية والأنظمة، ما لم تكن جزءاً من خطة متكاملة». تذكرت ذلك وأنا أتابع الفيلم التسجيلي الذي يمكن ترجمة عنوانه إلى: «مواقع السيطرة العليا»، وقد استعارها مؤلفا الكتاب – الذي يحمل الاسم نفسه قبل تحوله إلى فيلم – من عبارة قالها الزعيم الماركسي فلاديمير لينين للدلالة على مفاصل التحكم الرئيسة في الاقتصاد الوطني، فالذي يمسك بهذه المفاصل ويحسن إدارتها يسيّر بلاده وشعبها إلى حياة أفضل، أو غير ذلك إن لم يحسن الإدارة والتصرف.
الذي لفت انتباهي إلى علاقة الكتاب والفيلم بالأمير هو الزميل فهد الأحمدي في عموده الشهير بصحيفة «الرياض»، إذ كتب «بروفايلاً» حافلاً بالمعلومات، وليس مديحاً سمجاً يسطره البعض كلما تسنّم مسؤول منصباً. فهد الأحمدي وهو «مديني» مثلي، عمل مع الأمير عندما كان أميراً للمدينة المنورة، فقدمه في مقالته: «ما لا تعرفونه عن مقرن بن عبدالعزيز» كرئيس تنفيذي أكثر منه حاكماً تقليدياً لمنطقة، مؤمن بالتدريب والاستعانة بالخبراء والاستقصاء، وتطوير الأداء، غير مشغول بالمجالس العديمة الفائدة التي يجري الحديث فيها عما إذا أمطرت في تلك الناحية أم أن «الفقع» ظهر باكراً في الناحية الأخرى.
تحسين الأداء، وتطوير نظام كفء لخدمة المواطنين وتلبية حاجاتهم، يعمل بذاته لا بتأشيرة من مسؤول، أفضل بكثير من مجالس المجاملة، فهذا يريد قطعة أرض، وذاك وظيفة لابنه، وثالث ينخى الأمير في أن يستثني مدير الجامعة ابنه من اختبار القبول، ورابع يطلب علاجاً لوالدته وإحالة إلى المستشفى، فمهما سعى المسؤول إلى إرضاء الناس، فلن يرضيهم جميعاً، إذ سيبقى من سيقول: «أعطيت فلاناً ولم تعطني»!
نحن بحاجة وقد بلغنا الرشد وانتشر التعليم وتوحد الوطن وترسخت هويته، إلى عقلية المدير التنفيذي، المؤمن بـ «الإدارة بالأهداف»، الذي يستعين بخبراء الاقتصاد وأساطينه للنهوض بالبلاد، مثلما رأى الأمير في ذلك الفيلم التسجيلي المعني بالمعركة بين الاقتصاد الحر، وسيطرة الحكومات والبيروقراطية والفساد.
أهم ما في الكتاب، نظرية مؤلفيه دانيال يرجان وجوزيف ستنسيلاو، عن أن العولمة هي قدرُ الإنسان، ومعها يأتي الرخاء، وتوافر السلع، والتبادل التجاري، والمنافسة التي تؤدي إلى تحسين المنتجات والخدمات، ولكن لديمومتها شروطاً، فإن اختلت فستنتكس، فهي كانت رائجة قبيل الحرب العالمية الأولى ثم انتكست، ولم تعد بقوة إلا بعد الحرب الثانية، وبلغت أوجها بعد العام 1991 بسقوط الشيوعية، وتغلب نظرية اقتصاد السوق، ولكنها اليوم مهددة ما لم تعالج الرأسمالية ضعفاً مبنياً فيها، وهو افتقادها الدعم العقدي أو الأيديولوجيا. القوة الوحيدة التي تسند الفكرة الرأسمالية هي براغماتيتها، فأضيف من عندي أننا كمسلمين لدينا مشكلة أكبر مع الرأسمالية، إذ نراها منتجاً غربياً فنتعامل معها بتوجس، ما يجعل لمعركة الحفاظ على التنمية والرخاء جوانب تخصنا، غير المسائل التي يتصارع فيها الغرب والرأسمالية، فيعدل من مسارها بين «أزمة اقتصادية وأخرى».
الشرط الأهم لاستمرار العولمة برخائها وتجارتها هو العدالة، إذ يرى المؤلفان أن على الغرب والمتنعمين بها أن يسعوا إلى جسر الهوة بينهم وبين فقراء العالم من دول العالم الثالث، ومع ما تبقى من دول لا تزال رهينة الاقتصاد الموجه، وكذلك في داخل مجتمعاتهم.
هذه النظرية يمكن للمسؤول السعودي أن ينزلها على مستويين، الأول عربي، فثمة مسؤولية لأغنياء العرب تجاه فقرائهم، فهل يمكن أن تمضي السعودية والإمارات وقطر والكويت في رخائها واستقرارها، بينما تنهار من حولهم اقتصادات، ويتهدد استقرار كامل المجتمع في مصر واليمن وسورية وتونس؟
المستوى الثاني هو المحلي، فهل تضمن الطبقة الثرية السعيدة المتنعمة في قصورها ومنازلها الواسعة ورخائها استمرار ذلك، بينما يضغط التضخم على متوسطي الحال والفقراء، ممثلاً في ارتفاع كلفة السكن والتعليم الجيد والصحة؟ الاقتصاديون في الفيلم يقولون إنه في زمن «اقتصاد التضخم» يزداد الأغنياء ثراء والفقراء فقراً في شكل أسرع من زمن «الاقتصاد المستقر»، فتزداد الفجوة بينهم، ما يعجل بأزمات اقتصادية تشمل في نهايتها الجميع مع توابعها من اضطرابات سياسية وأمنية.
تفاءلت كثيراً أن يكون النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء مهتماً بقضايا كلية كهذه، فنحن بالفعل في مفترق طرق، وقد تراكمت علينا سياسات قديمة أدت إلى إضعاف دورة الإنتاج والاقتصاد في البلاد، بفضل اعتمادنا على الإيرادات النفطية الهائلة، التي نتعامل معها وكأنها رزق من الله لن ينقطع، إضافة إلى اعتمادنا على استيراد العمالة الأجنبية التي باتت تسيّر جلّ اقتصادنا، ما أدى إلى إهمال التعليم والتدريب، وتحسين الأداء وتطويره، وما يلزم لذلك من أدوات المحاسبة والمساءلة والتقويم المستمر.
بفضل النفط، فإن معضلة الاقتصاد السعودي تختلف عن الأزمات التي مرّت بها بلدان مثل الاتحاد السوفياتي وبولندا والهند وتشيلي وبوليفيا، التي اختارها المؤلفان ليشرحا من خلالها نظريتهما بضرورة اعتماد سياسة السوق والانفتاح السياسي والمشاركة ومحاربة الفساد والتخلص من البيروقراطية الزائدة.
شكراً للأمير مقرن أن لفت الانتباه إلى عالم حقيقي نعيشه، وتحديات لا بد من الخروج منها، أما من يرغب في مشاهدة الفيلم فهو متوافر بأجزائه الستة على «يوتيوب».. هذه التقنية التي هي جزء من العالم الحقيقي الذي يؤثر فينا بهدوء!

* أكاديمي وكاتب سعودي
 

اقرأ ايضاً لجمال خاشقجي

بحاح والبكري… إنه المستقبل اليمني
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
1029
5.80 د
0
0
هل نستطيع العيش بجوار سورية الإيرانيّة؟
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
963
4.48 د
0
0
اليمن ومنصور النقيدان و «الإصلاح»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
848
4.14 د
0
0
عشر سنوات عجاف
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
1001
5.00 د
0
0
الكلمات 1001 | للقراءة 5.00 د | قراءة 164 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحصائيات للكاتب