13 يونيو 2015 5:54 ص
الحنين إلى عهد «الديكتاتور»

 الحكم على حقبة نظام سياسي قديم في فترة معاصرة لن يكون منصفاً أو عادلاً أو دقيقاً، وستتنازعه عوامل عدة، وعليه فإن الباحث المعاصر لتلك الفترة هو من يملك القدرة على التقويم أكثر من غيره. لذا تكون المفارقة كبيرة عندما يصرُّ كثيرون على ندب وتباكي الرئيس العراقي السابق صدام حسين، بينما وفي الوقت نفسه هناك من يتمنى أن يعود إلى الحياة كي يعدمه ألف مرة.
معظم أصحاب العويل، من الجهلة أو من غلاة البعثيين، أو سني يرى أن صدام كان الحامل للواء السنة ضد مد شيعي مزعوم. نعم هناك قلة يعدون على أصابع اليد ممن كانوا يرون في صدام مركزاً للتوازن السياسي، بعيداً عن ديكتاتوريته، إلا أن في هذا استهانة بالأرواح التي كان يحصدها نظامه عندما حوَّل العراق إلى «جمهورية الخوف».
فالجاهل يتصور أن صدام كان قائداً ثورياً؛ يحبه الشعب العراقي ويموت في سبيله، وقد ملأ الأرض عدلاً في وقت كان فيه جيرانه يملؤنها جوراً، أما غلاة البعثيين فمن البديهي أن يندبوا حظهم بعد ذهابه؛ فقد خسروا زعيمهم الذي أغدق عليهم وسحق بقية العراقيين.
موالي السنة، وزعيم السنة، وأسد السنة، لم يظهر بشكل جلي إلا بعد ظهور المالكي في العراق، الذي جعل العراقيين يتناسون شيئاً فشيئاً جرائم صدام الكبرى، وربما غفلوا عن نقطة مهمة هي أن صدام ونظامه سابقاً كانا لا يفرقان بين أي منتمٍ إلى مذهب أو عقيدة، إلا في ولائهم المطلق له.
ومن شاهد صدام من خلال خطب أو لقاءات بالشاشة الفضية أو من خلال المذياع؛ أيقن أنه أمام زعيم عصابة محترف، لا يتوانى عن الفتك بأي قريب له أو صديق -نقولها مجازاً فلا صديق للديكتاتور- في أي لحظة شك أو غضب أو ما يراه خطأ. ومن ينسى تصفيته لصهريه عندما هربا إلى الأردن، وطلبا اللجوء السياسي وكان برفقتهما زوجتاهما رغد ورنا بنتا صدام حسين وأحفاده. فبعد حوالى العام من مكوثهم في الأردن؛ رجع الأخوان بعد أن أعطاهما عهداً بألا يمسهما بسوء (طبعا كانت سذاجة كبيرة أن يقعا بهذا الفخ، ومن يعرف صدام يعلم ذلك يقيناً).
تقول الرواية إن الأخوين وبمجرد أن عبرا إلى العراق تم انتزاع زوجاتهما وأولادهما وبناتهما منهما وأرسلوهما إلى قصر أبيهم (صدام)، فيما ذهب حسن كامل وصدام كامل إلى منزل شقيقة لهم ليقيما هناك، ومن الغد تم إجبارهم على تطليق زوجتيهما. إثر ذلك وفي يوم لاحق تم الهجوم على منزل شقيقتهما الذي يقيمان فيه أثناء الهجوم (كان في الدار التي يقيم فيها حسين كامل كل من والده كامل حسن المجيد، وأشقائه صدام وحكيم، وشقيقته صاحبة الدار وابنتها، وشقيقته زوجة عزالدين وأطفالها، ووالدته والذين قتلوا جميعاً نساءً وأطفالاً) ودمروا البيت بمن فيه.
هذه السلوكيات التي يمارسها قطاع الطرق، لم تكن شيئاً مستهجناً في نظام صدام حسين، ومن ثم كان من المحزن أن يظهر لنا من يتأسى عليه أو على عزة إبراهيم الدوري، ويرون أنهم هم الملجأ وهم الأبطال الذين سيقاومون طائفية المالكي.
إن التاريخ سيذكر أن من فتح علينا باب «جهنم الاحتلال الأجنبي» إنما هو صدام حسين، فهو وقّع معاهدة الجزائر مع إيران ثم مزقها ببساطة عندما أراد أن يحاربها؛ ظناً منه أن الأمر نزهةً عسكريةً، فاستغرقت الحرب ثمانية أعوام مات فيها أكثر من مليون شخص من الطرفين، عدا الاستنزاف المادي، ثم غزا الكويت واحتلها بفعل جنوني، وصالَح إيران وتنازل لها عن كل ما قاتلها من أجله طوال تلك المدة. وكلكم يعرف القصة لاحقاً، عندما أتت جحافل الجيوش وطردت صدام، لكنها بعد ذلك اعتادت على حر المنطقة وبردها وطاب لها المقام ولن تغادر إلا بعد تحول الدول إلى دويلات، والدويلات إلى مقاطعات.
لا صدام بطغيانه وسفكه وجبروته، ولا المالكي الذي استسلم لمن أرادوا إفساد العراق بالطائفية، أقول إن كليهما لا يناسب عراق الحضارة والإرث والتاريخ. العراق يستحق أفضل من ذلك بكثير.

اقرأ ايضاً لأحمد الحناكي

«داعش» عدو يخطب الجميع ودّهُ.. أم يخشى وحشيته؟
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
696
3.28 د
0
0
طاقم «سيلفي» الرائع .. أناديكم أشُدُّ على «أياديكم»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
537
2.41 د
0
0
طاقم «سيلفي» الرائع .. أناديكم أشُدُّ على «أياديكم»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
539
2.41 د
0
0
الحنين إلى عهد «الديكتاتور»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
571
2.51 د
0
0
الكلمات 571 | للقراءة 2.51 د | قراءة 187 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *