04 مايو 2015 2:19 ص
الذين احتفلوا بمغادرة «الفيصل»

 لا أستبعد أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، ومعهم وزير خارجية سورية وليد المعلم، وربما انضم إليهم محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران، بعد بث خبر طلب الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي إعفاءه من منصبه بعد مسيرة طويلة في العمل الديبلوماسي.
خلال الأسابيع الماضية كانت التصريحات اللاذعة التي كان يطلقها عميد ديبلوماسيي العالم، كلها كانت موجهة إلى هذه الدول مع انطلاق «عاصفة الحزم»، أحد الضربات الديبلوماسية التي أغضبت روسيا، حينما قاطع الوزير «الفيصل» رسالة الرئيس بوتين والتي كان سيلقيها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في قمة العرب الأخيرة التي عُقدت في مصر، وجاءت المقاطعة بطريقة احترافية وخبرة وممارسة أكثر من 40 عاماً في الحقل الديبلوماسي؛ ليظهر حقيقة الدور الروسي في استتباب الأمن في المنطقة فيما هي التي تؤجج الخلاف.
هذه المقاطعة مغصت معدة «بوتين»، وغيَّرت طعم القهوة التي كان يرتشفها، فالرد جاء مسكتاً ومقنعاً.
أما خلال «عاصفة الحزم» فقد وجَّه أكثر من صفعة ديبلوماسية إلى إيران والانتقادات التي كانت تقودها، حينما سأله صحافي: هل تحارب السعودية إيران؟ رد عليه قائلاً: «ليست للسعودية حدود مع إيران فكيف نحاربها؟».
من أشد الأزمات السياسية التي مرت بها السعودية، تلك التي حدثت بعد أحداث 11 ديسمبر 2001، وواجهت عاصفة من الانتقادات ودعم الإرهاب، ولاسيما من شريكها الاستراتيجي الولايات المتحدة وبريطانيا.
برزت الخبرة الديبلوماسية في التعامل مع تلك الأزمة، واستطاع سعود الفيصل وبدعم من القيادة السعودية في تصحيح الصورة السلبية.
وقتها انتفضت كل السفارات السعودية من أجل إعادة الثقة في المجتمع الدولي، واعتبار أن السعودية هي أحد ضحايا الإرهاب، وجهودها واضحة في معالجته والقضاء عليه، وتشكل فريق الديبلوماسيين السعوديين منهم الأمير تركي الفيصل، وبندر بن سلطان وعادل الجبير؛ لمواجهة الانتقادات التي كانت تنفذها مؤسسات إعلامية في الخارج، واستطاعت السعودية أن تخرج من هذه الأزمة السياسية بانتصار ساحق، بل إنها أيضاً كسبت في هذا الخصوص بعض القضايا التي رفعت في المحاكم الخارجية باتهام دعم الإرهاب، سواء تلك التي وجهت لبعض رجال الأعمال السعوديين أم اتهامات موجهة إلى بعض المسؤولين، أشهرها القضية التي كسبها الأمير الأمير نايف بن عبدالعزيز ضد صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.
حمل سعود الفيصل حقيبته الديبلوماسية، وقتها كان العالم يخرج من الحرب الباردة التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي آنذاك، وهو يعني أن تشكيلاً جديداً للديبلوماسية سيظهر، وهي من أصعب المراحل السياسية التي شهدتها الكثير من الدول، وقتها كانت الحكومة السعودية في بداية مرحلة التطور والعمل الديبلوماسي الشاق، وبناء علاقات استراتيجية واقتصادية، استفاد من خبرته في وزارة البترول والثروة المعدنية قبل أن يلتحق بالعمل الديبلوماسي، في جذب شركات كبرى للاستثمار في الطاقة، وهذا ما حدث في عام 2003، حينما قاد لجنة وزارية للتفاوض مع شركات الغاز الخاصة بتطوير مشاريع الغاز، وأذكر حينها كانت الاجتماعات تتم من دون إعطاء معلومات صحافية، وكالعادة كان خارجاً من الاجتماع القاعة في قصر المؤتمرات في جدة، وكان الصحافيون يقفون ينتظرون أي تعليق، وبالفعل حينما خرج وبينما هو مغادر، سألتُه من الخلف إن كانت المفاوضات مع الشركات تواجه صعوبة لعدم انضمام السعودية وقتها إلى منظمة التجارة العالمية؟ وكأنما السؤال لم يكن متوقعاً، فالتفت وأجاب مبتسماً إنها من ضمن النقاشات، ولكن ليست صعبة، ولعل سعود الفيصل الذي تشبع بالعمل السياسي، ولقاءه بزعماء العالم على مدى أربعة عقود ومعاصرة خمسة ملوك سعوديين، لم يجد صعوبة في التفاوض مع شركات كبرى للاستثمار في السعودية.
من المواقف التي لا تزال عالقة حديثاً في أذهان المشاهدين أيضاً، حينما غادر غاضباً مؤتمر أصدقاء سورية، الذي عقد في عام 2012 بتونس والموقف المتباين من القضية، وربما هناك الكثير من الأحداث والمواقف التي عاصرها الوزير خلال مرحلته الديبلوماسية، منها قاعة الأمم المتحدة ومنصات المؤتمرات الصحافية.
بالتأكيد، الذين احتفلوا بمغادرته هم خصومه في السياسة، وربما هناك زعماء وسياسيون أغبطهم هذا الخبر، وليس بمستغرب على رجل أمضى جل وقته لخدمة دينه ووطنه وعروبته، وصراحته ونباهته، وصفه الدكتور أنور بن محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات: (أنه يقرأ المشهد السياسي بحس دقيق وبخبرته وعلمه وصلابته ومرونته).
يقال إنه حضر أحد الاجتماعات العالمية التي تخص القضية الفلسطينية، دخل ولم يصافح الوفد اليهودي ومن في القاعة، وعندما سئل، قال: «لم نأت للتهريج ومضيعة الوقت»، ومن بين ما يتم تداوله عن صراحته، تلك التي صرَّح بها أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك حينما قال: (سياسة الولايات المتحدة في العراق، تُعمّق الانقسامات الطائفية إلى حد أنها تسلم البلاد فعلياً لإيران)، فيما اعتبر ديفيد ميلباند وزير الخارجية البريطاني الأسبق، أن سعود الفيصل منح السعودية قوة خارجية لا يستهان بها.
إن كان سعود الفيصل قد غادر مقعده في وزارة الخارجية بعد هذه الأعوام الطويلة، فإنه قد ترك من خلفه إرثاً سياسياً وديبلوماسياً، وأيضا أكثر الشخصيات الذي كان يترجم سياسة الملوك الذي تعاقب العمل معهم، إذ إنه يستمد شجاعته وحنكته منهم، فالعمل السياسي أشبه بالحكيم كما يصفه الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد:
(إذا كنت في حاجة مرسلاً**فأرسل حيكماً ولا توصه)
هكذا كان سعود الفيصل طوال مدة عمله، عرِّاب الديبلوماسية السعودية، وأظن أن فريق عمله الذين رافقوه خلال هذه الفترة سيستريح.
ينام قليلاً، ويقضي وقته في الطائرة الخاصة له في القراءة ومراجعة الملفات، ومن هواياته حل الكلمات المتقاطعة، من هواة قيادة السيارة بنفسه، من النادر أن يجلس في مكتبه في الوزارة، نتيجة سفره الدائم، كما أنه لا يحب المواكب الرسمية.
تتغير الشخصيات وهي سمة الحياة، والسياسة السعودية رسخها ملوك هذه البلاد، وإن كان قد ترك بصمة فهي واضحة، وستبقى إضاءة مهمة لكل من يأتي من بعده، ويبقى سعود الفيصل أحد أهم الشخصيات التي حظيت بإعجاب محلي وعالمي، ولاسيما فئة الشباب ومتوسطي الأعمار، الذين شهدوا تجربته العملية وتابعوا مسيرته.
وسيبقى أيقونة السعوديين، ومن المهم ألا يحرم متابعيه بكتابة سيرته الذاتية ومشوار حياته. نتمنى له حياة هادئة وصحة وعافية، ويجد لنفسه متسعاً ليتفسح ويرى العالم بعيون سياحية، وليست ديبلوماسية.

اقرأ ايضاً لجمال بنون

الدعم الحكومي للسلع.. ذَهَبَ سدى
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
856
4.16 د
0
0
بعض الدول العربية.. تشبه اليونان
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
784
3.55 د
0
0
لا عمرة.. إلا بتصريح
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
839
4.11 د
0
0
السعودية تفتح نافذتها على روسيا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
753
3.45 د
0
0
الكلمات 753 | للقراءة 3.45 د | قراءة 179 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *