22 يونيو 2015 5:09 ص
السعودية تفتح نافذتها على روسيا

هاتفني الأسبوع الماضي صحافي أميركي من واشنطن، تعرفت عليه في مناسبات ومؤتمرات صحافية، يقول لي صديقي: لقد عدتم إلى الحضن الروسي مع أن الشتاء لم يبدأ بعد، فقلت له مازحاً: نحن نفصل حاجاتنا الشتوية مبكراً، حتى لا نقع في فخ الاحتكار.
ومثلما أصابت الدهشة صديقي الأميركي، هكذا كان للتقارب السعودي – الروسي لحمة «نيئة» لمن لم يستطيعوا هضمها وتوقعوا أن تكون الخلافات السياسية سبباً لهذا التباعد، ويرقص على إثرها من يهوى الصيد في المياه العكرة.
من المؤكد، أن الخطوة التي أقرتها الدولتان؛ السعودية وروسيا في فتح نافذة جديدة للتعاون المشترك وتعزيز المزيد من العلاقات المميزة والمصالح المشتركة، هي فرصة لقطع الطريق على أية محاولة تهدف إلى زعزعة أمن المنطقة، وليس الولايات المتحدة فقط منزعجة من هذا التقارب والتعاون، بل إن دولاً أخرى كانت مستفيدة ولديها طموحات في التوسع واستغلال الظرف.
الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي إلى روسيا، وإجراؤه محادثات مع أرفع القيادات الروسية، هي نقلة ديبلوماسية جاءت في وقتها، روسيا التي تعيش عقوبات اقتصادية فرضتها مجموعة الدول الصناعية السبع، بعد أحداث جمهورية القرم والاحتلال الروسي، وأثره في الاقتصاد الروسي، مع تزايد الأنباء عن تجميد أرصدة روسية في الخارج، فيما سجل الاقتصاد الروسي انكماشاً بشكل ملحوظ بنسبة 3.5 إلى 4 في المئة تقريباً، بحسب تصريح وزير الاقتصاد الروسي أليكسي أوليوكاييف الجمعة الماضي، ومتأثر بهبوط أسعار النفط وانهيار الروبل. وهذا ما جعلها تجري مفاوضات مع إيران لاستيراد النفط في مقابل تصدير القمح ومنتجات غذائية، بالطبع روسيا تدرك تماماً أنها في حاجة إلى شريك استراتيجي ومهم وقوي في منطقة الشرق الأوسط، ولا يمكن أن تبقى على تصلب رأيها السياسي من دون أن تجد حلولاً بديلة.
في زحمة الأحداث في المنطقة وتقاسم الكعكة، ودخول أطراف تبحث عن مصالح لها وتريد أن تلعب دور القوي والمؤثر، فيما انكشفت سياسات بعض الدول العظمى تجاه المنطقة، الولايات المتحدة وإيران تتقاذفان مثل «كرة الشراب» أحداث المنطقة، إيران تتمدد على حساب الطائفية واستعراض قوتها ودعم الجماعات الإرهابية، فيما تبحث الولايات المتحدة عن مصالحها بوصفها شريكاً قوياً مقلقاً لجيران لدول الخليج، وتحقق مكاسب مزدوجة، ببيع أسلحتها للفرق المتناحرة.
الديبلوماسية السعودية أحسنت التوقيت والاختيار، فزيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد استطاعت أن تعيد توازن القوى في المنطقة، ومن حق السعودية أن تبني مفاعلاً نووياً للأغراض السلمية، وأيضاً تعيد بناء قوتها النووية بعد أن استطاعت خلال العقود الماضية أن تبرز بوصفها قوة عربية وعالمية مؤثرة في اقتصاديات العالم ومجرياتها في كل الأزمات العالمية التي تمر بها دول العالم وتتأثر بها أسواق النفط، حينما تخرج تكهنات بتراجع كميات النفط في الأسواق، كانت السعودية تخرج لتطمئن العالم بأنها قادرة على توفير الحاجة، وعلى لجم الأسعار حينما وصلت إلى مستويات عالية، حتى في أحلك الأزمات والظروف، لتضبط السوق من جنون الارتفاع.
الديبلوماسية السعودية نجحت في اختيار التوقيت واختيار الشريك المهم بوصفه إحدى الدول العظمى والمؤثرة عالمياً، وأحد اللاعبين المهمين في المنطقة، ربما تكون بعض مواقفها السياسية مبنية على مصالحها، إلا أنها لا يمكن أن تبقى متمسكة بموقفها، فالمصالح المشتركة تلعب دوراً في إذابة الجليد، الاتفاقات التي تمت خلال الزيارة أسفرت عن عزم السعودية بناء 16 مفاعلاً نووياً للأغراض السلمية ومصادر الطاقة والمياه والاستثمار في المجال الزراعي، وتطوير أداوت التعليم وبرنامج الابتعاث إلى روسيا، فضلاً على تجربة الإسكان في روسيا، الشيء اللافت أن هذه الزيارة شملت جوانب متعددة في التعاون المشترك الفضائي والنووي والعسكري والتعليمي والاستثماري والإسكاني، ما يشير إلى أن الأبواب شرعت أمام البلدين؛ لتبادل الخبرات وفتح مزيد من التعاون، ولاسيما أن التجربة الروسية في مجال الإسكان ذات فاعلية، إذ تعد إحدى المدارس التي تعتمد على البناء الاقتصادي وتصميم مدن سكنية نموذجية، وهو ما جعل البلدين يوقعان اتفاقاً مشتركاً لتبادل الخبرات وإنشاء مشاريع مشتركة باستعمال التقنيات الحديثة.
بكل المقاييس، تقارب موسكو والرياض استعمال الديبلوماسية في مصلحة البلدين وما يفيد المنطقة، وإعادة توازن القوى، ولا يمكن أن تبقى إيران وإسرائيل تتزعمان القوى المؤثرة في المنطقة وتبقي بقية الدول تحت رحمة سلوكها الطائش، فكان لابد للسعودية من أن تتحرك وباتجاه الدول الأخرى نفسها، ولكن ليس بالعقلية نفسها؛ وهي الوعيد والتهديد، إنما لأجل مصالحها ومستقبل أجيالها، في الاعتماد على الطاقة النووية والطاقة المتجددة، إذ يتضاعف الطلب عليه داخلياً.
خرجت روسيا من هذه الزيارة بصفقات اقتصادية عدة ستساعد في تحسين الاقتصاد الروسي، وأيضاً ثقة دول الخليج بها، ومن ثم تحسين موقفها الديبلوماسي والسياسي تجاه بعض القضايا الإقليمية، ولاسيما في ما يتعلق بسورية وإيران وموقفها من الأزمة في اليمن، كما أن الزيارة أسهمت في عودة روسيا لاعباً مهماً في المنطقة، في ظل تخاذل الولايات المتحدة وموقفها المتباين من قضايا الشرق الأوسط.
في كل الحالات استطاعت السعودية أن تختار الجهة التي ستفتح نافذتها لتطل منها، ومن حقها كونها دولة تملك مقومات اقتصادية ومؤثرة في العالم، أن تختار الشريك القوي. في السياسة تتبدل المواقف، أما مصالح الوطن وحاجاته فتظل ثابتة لا أحد يستطيع أن يتنازل عنها، لهذا نجح محمد بن سلمان في أولى زياراته الخارجية.

اقرأ ايضاً لجمال بنون

الدعم الحكومي للسلع.. ذَهَبَ سدى
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
856
4.16 د
0
0
بعض الدول العربية.. تشبه اليونان
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
784
3.55 د
0
0
لا عمرة.. إلا بتصريح
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
839
4.11 د
0
0
السعودية تفتح نافذتها على روسيا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
753
3.45 د
0
0
الكلمات 753 | للقراءة 3.45 د | قراءة 577 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *