10 يناير 2015 3:18 ص
السياسي يفسد الأديب .. ألبير كامو أنموذجاً

 تحيي الأوساط الثقافية والأدبية هذه الأيام ذكرى وفاة الروائي الفرنسي ألبير كامو، الذي رحل عن هذا العالم في 4 كانون الثاني (يناير) 1960، أي قبل حوالى 55 عاماً. ومن يتابع السيرة الذاتية يكتشف كثيراً من المفارقات في رحلته القصيرة في الحياة (46 عاماً). فهو كان يعاني صراعاً نفسياً في هويته، إذ عاش إلى سن الـ20 في الجزائر، إلا أنه اختار الجنسية الفرنسية؛ كون والده فرنسياً. وبالقفز على هذه النقطة التي تحدث كثيراً لا يمكنك أن تغفل عن أن كامو قد انحاز إلى الجيش الفرنسي أو الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
كانت مبرراته لذلك متعددة، إلا أنها لا تعدو أن تكون تافهة وهشة عندما تصدر من أديب عملاق بحجم مكانته العالمية. هذا الأمر يؤكد الفارق الكبير بين السياسي كامو والأديب كامو، وهو ذلك الفارق الذي أثار غضب الجزائريين، وصدمهم بقسوة لم يتوقعوها من الذي كانوا يعتبرونه أحد مواطنيهم، وها هي الأديبة الجزائرية سعيدة مخلوفي تنتقده بضراوة في كلمة لها، مدافعة عن حق الجزائريين في الذود عن وطنهم فقالت: (وفي هذه الأرض الزكية وُلد فيلسوف الوجودية ألبير كامو، أو وليد الجزائر الذي كان أقرب إلى عصابات الكولون منه إلى مثل الحق والعدل والحرية، فقد انحاز طوال حياته إلى الظلم والباطل، إن الجزائريين في نظر كامو هم مستوطنون، أما أهل الجزائر الحقيقيون فإنهم يسميهم العرب، فكان يؤمن بجزائر الاستعمار، ولا يتصور مستقبل الجزائر إلا في إطار الحضارة الفرنسية، وعليه فقد كان يعارض الحركة الوطنية الجزائرية الداعية إلى التحرر من الهيمنة الفرنسية، والعودة إلى إطار الحضارة العربية الإسلامية. لم يكن ألبير كامو جزائرياً ولم يبد الرغبة في أن يكون جزائرياً «فرنسي عن قناعة واختيار إرادي، وسأظل فرنسياً ما دام الألماني ألمانياً، والروسي روسياً. وعليه سأتحدث بما أنا عليه فرنسي»).
قطعاً، ما سبق يثبت أن الأديب أو المثقف يجب ألا ينخرط في الهموم السياسية، إلا بحدود المطلوب كمواطن لا كمحترف، تسرق منه السياسة الإبداع، وتُكسبه كثيراً من الأعداء كان بإمكانه أن يتخذهم أصدقاء.
هل يعني ذلك ألا يكون للأديب رأي سياسي؟ كلا بطبيعة الحال، لكن أرى من ناحية أن الروائي أو الفنان أو المبدع يجب أن يكون منتمياً إلى الوطن لا إلى حزب محدد، وفي حالة كامو -أعلاه- وعلى رغم كونه فرنسياً، إلا أنه شطح وبقوة بدفاعه عن المستعمر الفرنسي، ولاسيما أن كثيراً من الفرنسيين كانوا مع انسحاب فرنسا، فما بالك إذا كان صاحب الرأي المضاد هو الجزائري النشأة البير كامو؟ ليس هذا فحسب، بل إنه أديب يستشعر الهموم الإنسانية لشعوب العالم. غير كامو يوجد الكثير، ولربما يتذكر كثيرون منا المبدع المصري السيناريست أسامة أنور عكاشة، الذي كتب المسلسل المصري الشهير ليالي الحلمية بأجزائه الخمسة، التي سرقت قلوب المشاهدين العرب أعواماً عدة في شهر رمضان من كل عام. عكاشة الراحل قبل أعوام وفي مقابلات له شاهدتها يظهر وهو محتقناً بآرائه السياسية المتطرفة، وتكتنفه الروح الشوفينية والاستعلاء، ولو قلت لأحد لا يعرفه أن هذا هو كاتب السناريو المثير لما صدقك. وفي «الربيع العربي»، الذي تغلغل في بلدان عربية عدة، أدلى الشارع العربي بدلوه في هذه الثورات، ومنهم الأدباء، فرأينا العجب العجاب، إما أديب يحرق البخور للحاكم، وإما آخر لا يفهم السياسة ولا دهاليزها وأسرارها؛ فيكون تحليله لها كما لو أن إمام مسجد يتحدث عن لعبة الكريكيت.
كل القرائن -تاريخياً- تشهد على أن مصائب بعض الأدباء أو الشعراء هي انخراطهم في السياسة، ومن ينسى الشاعر الكبير أبوالطيب المتنبي، وقبله طرفة بن العبد وامرؤ القيس؟ انقضت سنين عمرهم بالسياسة والحروب والانتقام والمؤامرات، فتركوا إبداعاتهم الأساسية وتناسوها. وفي عهد ناصر والسادات حدثت لبعضهم قصص شبيهة، فنجد إحسان عبدالقدوس وثروت أباظة وأنيس منصور يكتبون المقالات السياسية، في حين أنهم أدباء كبار، وربما كان هذا أحد أسباب تألق نجيب محفوظ، الذي ابتعد قدر الإمكان عن التأدلج الحزبي؛ فأبدع أكثر، وحاز جائزة نوبل للآداب. نعم، قد يستعين الأديب بموهبته ليخدم قضية نضالية، كما فعل الشعراء الفلسطينيون الكبار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، أو الأدباء كإميل حبيبي وكمال عدوان، إذ يطغى السياسي على الأديب، ولكن ذلك موضوع مختلف تماماً.

اقرأ ايضاً لأحمد الحناكي

«داعش» عدو يخطب الجميع ودّهُ.. أم يخشى وحشيته؟
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
696
3.28 د
0
0
طاقم «سيلفي» الرائع .. أناديكم أشُدُّ على «أياديكم»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
537
2.41 د
0
0
طاقم «سيلفي» الرائع .. أناديكم أشُدُّ على «أياديكم»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
539
2.41 د
0
0
الحنين إلى عهد «الديكتاتور»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
571
2.51 د
0
0
الكلمات 571 | للقراءة 2.51 د | قراءة 180 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *