30 نوفمبر 2013 7:08 ص
بين «حظر أنغولا للإسلام» و«جهاد المناكحة»

يصعب اليوم أن تفلت من قبضة الأخبار أينما كنت، فلم تعد الأخبار صحيفة تنتظرها في الصباح أو نشرة إخبارية تلفزيونية تراها عند التاسعة مساء أو نشرة إذاعية تستمع إليها على رأي كل ساعة من مذياع السيارة. اليوم أصبحت الأخبار قوتاً تستمع إليه يوميا،ً وتراه في كل مكان، بمجرد أن تحمل في جيبك هاتفاً ذكياً، بل حتى الهواتف «الغبية» تستقبل الأخبار عبر الرسائل القصيرة. هذا الإغراق الإخباري واكبته إشاعات ودعاية لا حد لها. لكن الميزة الأساسية في مواقع التواصل الاجتماعية أنها كما تسهل نشر الإشاعة تسهل دحضها. وأذكر هنا على سبيل المثال عندما تدوال مغردون قبل عام تقريباً خبر «سقوط طائرة مدنية في الرياض»، لنكتشف بعد دقائق أن الخبر مكذوب، وما حدث وأثار الريبة كان انفجار شاحنة غاز.
لكن الأمر لا يبدو بهذه البساطة والسهولة دائماً، بخاصة الأخبار التي تأتي من أماكن نزاعات، كمعظم الدول العربية اليوم أو تلك التي تأتي من دول تعيش تحت ظل حكم شمولي ومغلقة إعلامياً ككوريا الشمالية أو مهمشة ولا نكاد نعرف عنها شيئاً كأنغولا.
في مثل هذه الحالات يدخل عامل إضافي لمعرفة صحة الخبر. وهو تحليل الخبر وربطه بالسياق الذي جاء فيه. هنا نستطيع إلى حد ما الميل تجاه قبول الخبر أو رفضه، حتى لو لم نمتلك مصدراً يقينياً.
خبران يستحقان التوقف عندهما قليلاً، الأول هو قصة «جهاد المناكحة» في سورية، والثاني هو حظر الإسلام في أنغولا، وسأشرح خلالها ما أعنيه بالنظر إلى سياق الخبر وتحليله.
خبر «جهاد المناكحة» ظهر في تونس عن فتيات تم «التغرير بهن» وإرسالهن إلى سورية تحت لافتة «جهاد المناكحة»، إذ تجاهد الفتيات بأجسادهن وذلك بانضمامهن إلى الثوار والجماعات الجهادية هناك. الخبر انتشر من وسائل إعلام تونسية، ثم بعد أشهر تبعته تصريحات حكومية رسمية، وحلقات تلفزيونية شاهدت بعضها قبل أشهر، تتحدث عن فتيات عدن حوامل من سورية بعد أن مارسن جهاد المناكحة مع مئات المجاهدين.
في البداية، نرى أن مصادر الخبر غريبة، وكلها تدور حول تونس، تطور القصة واستمرارها كان بسبب أن موضوع الثورة السورية منطقة نزاع حاد. فترى مثلاً في موقع التواصل الاجتماعي كل من يقف ضد الثوار هناك يروج للخبر، وكل من يدعم الثوار ينفي الخبر، كون الخبر مسألة جنسية، جعل منه خبراً مفضلاً جداً للنقاش.
لو حللنا سياق الخبر، أولاً كونه بدأ بفتوى دينية تتحدث عن جواز «جهاد المناكحة»، فغياب اسم المفتي طعن مباشر بالموضوع برمته، فالفتاوى الدينية مهما كانت غريبة تذيل بأسماء أصحابها، ولن تجد فتوى يمكن أن تتبع وهي مقيدة باسم مجهول. عند التدقيق في النصوص المكتوبة عن الموضوع تجد أنها تنسب الفتوى أحياناً لشيخ مجهول وأخرى للشيخ محمد العريفي. لنجد أن نص التغريدة المنسوبة للعريفي أطول من 140 حرفاً، وهو ما يعني استحالة أن تكون مكتوبة في «تويتر» كما يشاع، فهي مزورة، إضافة إلا أن العريفي نفى جملة وتفصيلاً أية فتوى بهذا السياق.
هل هذا الخبر ممكن أو لا؟
عند تأمل سياق الجهاديين نجد أن موضوعاً كهذا يصعب بل يستحيل أن يمر، فلا توجد استهانة بالأعراض كما يروج البعض، وإن حدثت تجاوزات فتكون في شكل فردي. إضافة إلى أنهم يتبنون فتاوى متطرفة، ويعلنون هذا على الملأ، ويمارسون القتل في سبيل أفكارهم، فليس لديهم ما يخفونه، وهو ما يجعل الخبر في سياقهم مجرد هرطقة. وهذا ما حدث في ما بعد، إذ تمت كتابة تقارير تحلل الخبر، لتثبت أنه مجرد أكذوبة مخابراتية تم الترويج لها، بسبب غموض الوضع في سورية من ناحية، وكون الثوار مثار جدل ونزاع.
الخبر الثاني، وهو حظر الإسلام في أنغولا، يمكن رؤيته بالطريقة نفسها، ظهر الخبر، ثم تم نفيه من شخصيات إسلامية وديبلوماسية. لو قرأت التقارير الإخبارية التي تتناول الخبر لوجدت أنها متناقضة. وزير الثقافة الأنغولي يصرح لصحيفة فرنسية عن حظر الإسلام وعشرات الأديان الأخرى في أنغولا مع تقارير عن هدم مسجد على الأقل وإغلاق سبع مساجد. ثم شخصيات إسلامية تنفي الخبر، لكنها تؤكد هدم المسجد وإغلاق سبع مساجد، وتقول إنهم بانتظار «السماح بالإسلام» في أنغولا! هنا يكون الشخص نفسه الذي نفى الخبر مؤكداً له!
لو عدنا لقراءة الأخبار المتداولة عن أنغولا نجد أن الدولة النفطية الأفريقية الخارجة من صراع أهلي تحكم من نظام مستبد، وهناك اضطرابات واختفاء لعدد من الناشطين ضد الحكومة هذا من جهة. ومن جهة أخرى، نجد أن من نفى الخبر في واشنطن من السفارة الأنغولية تحدث بعبارات عامة عن حرية الأديان، كتلك التي يستخدمها أي نظام مستبد وقمعي لتحسين صورته الخارجية. بذات اللحظة، تجد أن التقارير التي تكتب من شخصيات دينية تؤكد الخبر من حيث أرادت نفيه! كما تم إثبات الخبر من مصادر غربية منوعة.
هنا أميل إلى تصديق الخبر أكثر من نفيه، عندما أضع في الاعتبار كل هذه العوامل السابقة التي أشرت إليها، إلى أن يظهر مصدر موثوق أو نكتشف حقيقة القصة بتفاصيلها.
أعتقد أن محاولة التفكير في محتوى الأخبار وسياقها سيعصم الكثير من الانجراف خلف الإشاعات والأخبار المكذوبة، في وقت أصبح فيه الجميع صحافيين في صورة أو أخرى.
 

اقرأ ايضاً لبدر الراشد

«هُزِمَ» الكونفيديراليون.. وبقي علمهم
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
744
3.43 د
0
0
«هُزِمَ» الكونفيديراليون.. وبقي علمهم
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
746
3.43 د
0
0
لم يهزموا.. لكن أرواحهم نفرت
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
691
3.27 د
0
0
«العبادي» التائه.. في حضرة أوباما
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
697
3.29 د
0
0
الكلمات 697 | للقراءة 3.29 د | قراءة 267 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *