26 أبريل 2014 2:35 ص
تطوير القضاء والإصلاح التشريعي

 
فكرة الإصلاح التشريعي هي خطة خادم الحرمين الشريفين الإصلاحية، حيث تم إصدار سيل من الأنظمة في سنوات قليلة، وفترة حكم الملك عبدالله – متعه الله بالصحة – تعد طفرة تشريعية نظامية بكل المقاييس، ولكن ماذا عن تطوير القضاء ومدى تناغمه مع هذه الفكرة؟
تحدثت كثيرا في عدد من المقالات حول ضرورة تركيز مشروع تطوير القضاء على الإصلاح التشريعي أكثر من أي شيء آخر، وتطرقت كثيرا إلى عدد من الصور التي يبدو فيها الخلل واضحا من الناحية التشريعية النظامية “القانونية”، ورأيت أن تخصيص مقال في هذا الموضوع مهم على الأقل بالنسبة لي.
نصّ نظام القضاء الصادر في 1428 في مادته الحادية والسبعين التي تتحدث عن اختصاصات وزارة العدل، وفي ثاني فقرة؛ أن من واجبات الوزارة الرفعَ بما “تراه من المقترحات أو المشروعات التي من شأنها رفع المستوى اللائق بمرفق العدالة”، وبتأمّل النص؛ نجد أنه عبّر بـ”الرفع” ولم يكتفِ بأن تقوم الوزارة برفع مستوى العدالة مثلا، وإنما جعل من اختصاصها الرفع للمقام السامي بالمقترحات والمشروعات “مشروعات الأنظمة”، التي تسهم في رفع مستوى العدالة بالبلد.
يبدو أن الوزارة ترى أن هذا الاختصاص “الإصلاح التشريعي للأنظمة العدلية” ليس من اختصاصها، كما عبرت بذلك في ردها على مناقشات مجلس الشورى، ولا أدري ربما كانوا يقصدون شيئا آخر، أو أن لهم حجة أجهلها، ولكن بنظري أن نص النظام يذكر اختصاص الوزارة بذلك وبوضوح! هذا بالإضافة إلى أن مركز خادم الحرمين لتطوير القضاء تابع لوزارة العدل أيضا، لا أذكر هذا والله إلا لما أراه من ضرورة وأهمية التركيز وجمع الجهود في هذا الاتجاه المهمل منذ سنوات طويلة.
كم كنت أتمنى أن تتعاقد الوزارة مع بيوت خبرة قانونية لها تجربة تشريعية متخصصة، كما كنت أتمنى أن تهتم بتنويع الخبرات وإشراك مختصين بالقانون كون مدرسة القانون اعتنت أكثر بترتيب الجهاز القضائي الحديث، بالإضافة إلى جدارة القانوني المختص في الصياغة القانونية – في مشاريع الأنظمة -، وهذا من اختصاص القانوني البحت، وهي مهارة تحتاج إلى مهنية وخبرة عالية ليست من ضمن اختصاصات ولا من تأهيل أغلب الشرعيين.
عندما أتحدث عن الإصلاح التشريعي، فالمقصود هو إصلاح الأنظمة العدلية تحديدا هنا، بالإضافة لما هو أهم من ذلك؛ وهو السعي لإصلاح البنية القضائية من خلال تعديل نظام القضاء بتضمينه ما يقوّي صلبه بالإلزام بالسوابق القضائية مثلا، الأمر الذي يحُدّ من الضبابية والتفاوت في الأحكام لدينا. وقد سبق كتبت في هذا مرارا، وتحدثت عن تجارب الآخرين الذين سبقونا في هذا المجال، وبإمكاننا الاستفادة من خلاصة التجارب الإنسانية الحديثة.
هذه القضية وهي “عدم وجود آلية لتحديد ما هو النظام الذي ستحكم به المحكمة سواء من خلال التقنين أو بالسوابق أو بهما” هي أساس إشكالية القضاء، وتليها الإشكالات النظامية في بعض الأنظمة العدلية القديمة أو المحدّثة مع ضعف المهنيّة فيها، وكل ما سوى ذلك فهو يأتي في درجة تليها. فالإصلاح الإداري أو التقني مثلا يمكن أن يُهدم في يوم وليلة بعدم قناعة المسؤول الجديد، ويمكن أن يعاد في مثلها – وهذه مبالغة المقصود منها أنه ليس صعبا -، بينما الإصلاح التشريعي سيبقى للناس والبلد مهما ذهب فلان وجاء غيره.
الإصلاح التشريعي يمكن أن يكون الحل الأمثل لكثير من القضايا التي تشغل الرأي العام، أو حتى تزعزع الأمن أو تُضعف الاقتصاد وهكذا. وخذ هذا مثالا سبق وأن ذكرته ولا مانع من تكراره؛ فمثلا في الفلبين يحتاج المشتري لأرض ما إلى 168 خطوة إجرائية من خلال مراجعة 53 مؤسسة! وتأخذ مدة ثبوت الملكية من 13 – 25 سنة لاكتمالها! والصورة ذاتها تتشابه في عدد من البلدان العربية وغيرها. إذاً، من هذا المثال يتضح كم هو حجم ضياع الوقت والمال من أجل إجراءات روتينية يمكن اختصارها في خطوة واحدة ربما بتحديث القانون مع جودة هيكلته! هذا الضياع أيضا له أثر تراكمي يهرب منه رأس المال والمستثمرون، وله أثر مباشر آخر في الحد من سرعة النمو الاقتصادي وهكذا، فالإصلاح التشريعي لمثل هذه الحالة هو أساس الحل.
لنخرج بعيدا إلى أميركا ونأخذ مثالا من هناك؛ حيث كانت تعيش فيها العنصرية بشكل صارخ، وكانت تشكل تهديدا أمنيا على البلد، إلى أن سُنّت قوانين مكافحة العنصرية التي تحمي كل الأعراق والأجناس من العنصرية وتساوي بينهم، حيث شعر أولئك الثائرون بضمان حقوقهم والعدالة تجاههم، وبالتالي لا داعي للتوتر والشحناء، مما أدى إلى تجنيب البلد كثيرا من الحالات الملتهبة، وما قد يصاحبها من زعزعة الاستقرار وهروب المستثمرين وهكذا. والسؤال هنا: هل يمكن لأي حل آخر أن يجتث المشكلة من جذورها غير الإصلاح التشريعي بسن القانون اللازم؟ الحقيقة أن أميركا – خصوصا إلى ما قبل 11 سبتمبر – أصبحت ملاذا للهاربين من العنصرية والظلم بالإضافة إلى المبدعين من كل مكان، كل هذا ما كان ليحصل لولا فكرة التشريع القانوني.
الحقيقة أنني كمحامٍ ومهتم بالقضاء وتطويره أشعر بفجوة كبيرة بين مشروع تطوير القضاء ونخبة المتخصصين، ولا أغمط جهود القائمين عليه، ولا شك أن لهم جهودا كثيرة مشكورة؛ إلا أنني والله حرصا على بلدي أتساءل عن أولويات المشروع أين هي؟ حتى موقع إلكتروني يُلخص رؤية المركز لتطوير القضاء؛ لا يوجد سوى تقارير إعلامية عن زيارات وفود أجنبية ونحوها، بل حتى القضاة أنفسهم وهم المعنيون بتطبيق التطوير لا يعرفون كثيرا عن هذا المشروع.
أخيرا؛ كلي أمل ورجاء بأن تتم إعادة هيكلة مشروع تطوير القضاء بإضافة الهدف الأسمى من التطوير وهو الإصلاح التشريعي النظامي، ومعالجة الثغرات والإشكالات في الأنظمة العدلية، والله الهادي لسواء السبيل..

اقرأ ايضاً لأسامة القحطاني

بين داعش والنصرة.. المقاومة الفكرية أولا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
737
3.41 د
0
0
“مذهبة” الدين وعقيدة المذهب
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
820
4.60 د
0
0
الوحدة الوطنية بيد “الشورى”!
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
843
4.12 د
0
0
الحاجة للمحامي والحاجة للطبيب
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
686
3.25 د
0
0
الكلمات 686 | للقراءة 3.25 د | قراءة 237 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *