12 أبريل 2015 2:34 ص
خارطة الدول العربية بعد عشر سنوات!

 
عند الحديث عن المستقبليات ومحاولة تلمُّس وتوقّع المستقبل؛ فإنه يجب التركيز على أهم المؤثرات الاستراتيجية على أرض الواقع، وبالنظر إلى واقعنا اليوم فإنه يمكن القول إن أهم المؤثرات الاستراتيجية الآن لا تخرج عن خمسة: السياسة الأميركية في المنطقة، ونتائج ما يحدث في البؤر الساخنة اليوم كالعراق وسورية واليمن، ووضع إيران ونفوذها في مقابل منافسيها في المنطقة، والمؤثر السابق مرتبط بعنصر الطائفية وتناميها إقليميا، وأخيرا الإرهاب وتنامي الحركات الدينية المتشددة.
بالنسبة للمحور الأول وهو سياسة أميركا في المنطقة؛ فبلا شك أن السياسة الأميركية كقوة عظمى قد تكون من أهم المؤثرات في حال تزايد اهتمامها أو تراجعها، فالتدخل الأميركي في العراق للإطاحة بصدام كان عاملا استراتيجيا أسهم بتغيير خارطة القوى في المنطقة بشكل أساس، وبرزت بعد ذلك إيران بقوة، كون الحربان اللتان خاضتهما أميركا أسهما بشكل مباشر في تخليص إيران من أهم أعدائها، في ظل عدم وجود دولة ثورية في المنطقة لمواجهة الأطماع الإيرانية. وبالتالي فبالنظر للمدى القصير؛ أعتقد أن شكل وسياسة الحكومة الأميركية القادمة عامل مؤثر لأي محاولة تنبّؤ بشكل الشرق الأوسط في المستقبل القريب.
الكثير من المحللين السياسيين يتنبؤون بأن الجولة المقبلة ستكون من نصيب الجمهوريين كون الديموقراطيين قد حكموا لولايتين وغالبا أن تبادل المقاعد هو المتوقع. وبالتالي فمع ترجيح هذا الخيار؛ يجب قراءة سياسة وبرامج الجمهوريين بدقة لمعرفة سياستهم المحتملة في المنطقة.
من أهم الرموز الجمهورية هو جون ماكين المنافس لأوباما في ولايته الأولى، وهو رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ حاليا، وبقراءة أهم مواقفه تجاه المنطقة نجد أنه مؤيد بشكل أكثر حماسا من أوباما لعاصفة الحزم، وقد انتقد سياسة أوباما التقاربية تجاه إيران أكثر من مرة، وكان متحمسا لضرب قوات الأسد، وبالعموم فهو يتبنى مواقف أكثر تشددا تجاه إيران ويبدو أن أفكاره تميل إلى الحزم أكثر مع إيران. وبالتالي فإنه بوصول الجمهوريين إلى الحكم قد تتغير الموازين في المنطقة كون تدخل أميركا عسكريا في المناطق الساخنة سيكون أكثر احتمالا منه اليوم، ولو حصل هذا فقد يقلب الموازين، ولا يعني هذا أن الموازين ستتجه لصالحنا بالضرورة، إلا أن تدخل أميركا بشكل أكثر جرأة في المنطقة سيكون عاملا مؤثرا في تشكيل المنطقة بلا شك. وهذا التدخل لن يقتصر بالتأكيد على حرب النفوذ الإيراني بل سيمتد قطعا لحرب الحركات المتشددة وربما حتى بعض الحركات المعتدلة -نوعا ما- بشكل أكثر حماسا.
بدأت بالحديث عن سياسة أميركا للبعد الدولي لها والذي سيكون عاملا مؤثرا ربما في المحور الثاني وهو الوضع في البؤر الساخنة في المنطقة، فالسياسة الأميركية المقبلة قد تدفع بثقلها نحو التدخل المسلح بشكل أكثر احتمالا منه اليوم. وبتصوري أن على دول الخليج العمل الحثيث على خلق أجواء تسمح بتدخل لصالح موقف يكون على الأقل مقبولا لها، مثل دعم وإيجاد قوة حقيقية على الأرض السورية مثلا، وذلك بدعم الجيش الحر والمجموعات المعتدلة هناك، بدلا من تفرد المتطرفين كـ”داعش” وأشباهه بالموقف، ومن المعلوم أن الغرب ومعه العالم بأسره لن ينظر إلى سورية بشكل وردي، ووجود “داعش” وإخوته بهذا التمدد لن يدفع أي طرف كي يقدم سورية على طبق من ذهب لمزيد من التطرف والمتطرفين لتكون بديلا عن تطرف الأسد وإيران في سورية! ولذلك فإن واجب إيجاد تيار قوي مناهض للأسد وإيران هو حجر الأساس لأي دعم دولي لإيجاد حل سياسي أو عسكري يتجه لصالحنا في سورية.
الخلاصة أن المعركة في البؤر الساخنة ستكون حاسمة لرسم مستقبل توازن القوى بالمنطقة، ولو نجحت عاصفة الحزم التي تقودها السعودية فستكون منعطفا جديدا يجعل المملكة الرقم الأول في المنطقة. فالسعودية في اليمن لم تُظهر القوة العسكرية فقط، بل أظهرت مدى قوتها السياسية ونفوذها المحوري في العالم الإسلامي، وكيف أنها جمعت كل هذه القوى والتأييد الدولي لصالحها، وأعتقد أنها مؤهلة كي تخرج من هذه الحرب بنصر بإذن الله يفخر به العرب واليمنيون في المرحلة المقبلة.
الحقيقة أن هناك عوامل كثيرة خدمت موقف السعودية في هذه الحرب، وهذا يجب أن يكون في الاعتبار، وهو أن أغلب الدول في المنطقة -وكذلك في العالم- منزعجة من السياسة الإيرانية المتعجرفة والمستهترة بالشعوب ومقدراتها، فالأحداث الأخيرة أظهرت وبوضوح مدى التقارب الشديد بين عقلية الإرهابيين وعقلية الطبقة الحاكمة في إيران، فالزعامة الإيرانية التي تحكم وتقتل وتظلم الناس باسم الله وباسم العصمة تنظر إلى محيطها بعقل ثوري مستفز لا يُقدر العواقب ولا يحاول حتى توازن خطواته، ولا أدري ما النتيجة لو امتلكت هذه الطغمة المتطرفة في إيران القوة النووية! فالشاهد أن البغض والامتعاض من السياسة الإيرانية في كل دول الإقليم تقريبا (باستثناء ثلاث دول يحكمها إيرانيون بالولاء والوكالة للأسف) ساهما في اجتماع أغلب دول المنطقة ضد التدخلات الإيرانية، وأتصور أن إشراكا معمّقا لأهم دول المنطقة في مواجهة الحوثيين في اليمن سيسهم أكثر في تعزيز التحالف ونجاحه بإذن الله.
بالنسبة للمحورين الأخيرين وهما الطائفية والإرهاب؛ فأتصور أنهما مرتبطان بشكل وثيق بما سبق، فالإرهاب تعمّق بسبب تلك البؤر الساخنة وبفعل الاستفزاز الطائفي الذي فرضته إيران وعملاؤها في المنطقة مما تسبب في تناميه، وكنتيجة طبيعية تنامت معه الطائفية المقيتة. ولذلك بتصوري أن حل الصراعات في المنطقة سيكون له دور أساس في القضاء على هاتين الظاهرتين.
وفي رسالة قصيرة، أقول إن كل هذه الصراعات والدماء والجهود الموجهة ضد بعضنا في المنطقة ما كانت لتحدث لولا وجود الاستغلال الطائفي والاستغراق الأعمى في الأفكار الطائفية الضيقة، ونسيان حقوق الجيرة والتاريخ والجغرافيا المشتركين! ولكن وبكل أسى أقول: لا حياة لمن تنادي من العقول المتطرفة!

اقرأ ايضاً لأسامة القحطاني

بين داعش والنصرة.. المقاومة الفكرية أولا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
737
3.41 د
0
0
“مذهبة” الدين وعقيدة المذهب
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
820
4.60 د
0
0
الوحدة الوطنية بيد “الشورى”!
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
843
4.12 د
0
0
الحاجة للمحامي والحاجة للطبيب
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
686
3.25 د
0
0
الكلمات 686 | للقراءة 3.25 د | قراءة 262 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *