04 أغسطس 2014 3:47 ص
خطاب الملك.. رسالة تحذير إلى العالم

 منذ عام 2003 والسعودية تواجه الإرهاب بكافة أنواعه وأشكاله داخلياً، بما فيها أصحاب الفكر الضال والمتطرف أو المؤيدين للمتشددين، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأميركية تلاحق تنظيم القاعدة وجماعة طالبان في أفغانستان بقوتها وعتادها وجنودها وطائراتها بعد أحداث 2001، كانت هذه أكبر حملة عالمية لمكافحة وملاحقة الإرهابيين، عاشت السعودية أصعب ظروفها لمواجهة هؤلاء المتطرفين، أسست في هذا الخصوص لجنة المناصحة تحت مسمى إدارة الأمن الفكري في وزارة الداخلية، وهي محاولة لثني المتشددين عن فكرهم الضال، ومع ذلك لم تسلم فقد كاد أن يقضي الإرهاب على برامج التنمية في البلاد، ولولا يقظة الدولة لعاشت الآن مثل بعض الدول المجاورة عدم استقرار وحالات الدمار والقتل.
ليس من عادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أن يغضب بسرعة أو يتخذ قراراً في حال غضب، عرف أنه حريص على ممارسة أسلوب التربوي والأبوي، يتدخل في حال وجد أن الأمر لم يعد يحتمل السكوت، ويتدخل بحزم شديد حينما يكون الأمر قد وصل إلى مرحلة الخطر. الذين استمعوا إلى خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الجمعة الماضي التي وجهها إلى العالم، سيجد اختلافاً كبيراً في كتابة البيانات التي اعتاد أن يسمعها في مناسبات مختلفة، فخطاب الجمعة، حمل رسالة تحذير إلى العالم من التخاذل في مسألة مكافحة الإرهاب ومواجهته سواء كان إرهاب دول أم جماعات.
وخطاب الملك عبدالله جاء بعد صمت طويل في الوقت الذي تزايدت فيه الإشارة وأصابع الاتهام إلى السعودية ولومها، عدت إشارات كانت توجه إلى السعودية، تجاه ما يحدث في غزة والاعتداء الإسرائيلي، ومن جهة أخرى تمدد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وحالات الخوف والفزع الموجودة في هذه الدول، وأيضاً حال الصمت في كلتا الحالين. لهذا جاءت كلمة البداية تحذيرية «هذه الفتنة التي وجدت لها أرضاً خصبة في عالمينا العربي والإسلامي». وهذه إشارة إلى تزايد أعداد الجماعات التي تأخذ من الإسلام ستاراً لها وذريعة لاستقطاب المتعاطفين معها من الشباب والجهلة، ولعل أبرز القصص التي يتم تداولها، قصة الطبيب السعودي الشاب فيصل بن شامان العنزي الذي قتل أثناء تأدية مهمة علاج كبار قادة «داعش»، وبعدها مقتل الشاب يزيد الشقيران وعمره 19 عاماً، وجد ضمن مجموعة إرهابية في سورية. بالطبع من حق الملك عبدالله أن يعبر بحرقة عما يحدث في العالم الإسلامي في ظل صمت المشايخ والمجتمع الدولي، فالسعودية أكثر الدول تضرراً من ظهور هذه التيارات الفكرية التي أضرت بالتنمية في العالم العربي والإسلامي، وأسهم في هذا صمت وتجاهل من بعض العلماء والشيوخ المحرضين والمؤيدين. وهذا ما أشار إليه الملك خلال استقباله للمهنئين له من المواطنين والشيوخ والمسؤولين بمناسبة عيد الفطر وبعد إلقاء كلمته إلى الأمة الإسلامية والعربية، حينما قال موجهاً كلامه إلى المشايخ «لا أطيل عليكم، وما أقدر أتكلم الذي في صدري، لأن الذي في صدري أعتقد أنكم أنتم أدرى به، وما يسفطه قلبي ونفسي وأخلاقي ومبدئي إلا شيء أحسه من صغيركم وكبيركم ومشايخكم وهذا هم يسمعون كلهم، وأطلب منهم أن يطردوا الكسل عنهم، ترى فيكم كسل وفيكم صمت، وفيكم أمر ما هو واجب عليكم».حال الانفلات الأمني في وطن الربيع العربي وبعضها بدأت تأخذ مسارها نحو التصحيح، أنهكت الاقتصاد ورفعت من نسبة البطالة وتدني المرتبات بشكل ملحوظ، تضرر الكثير من المواطنين العرب في بلدان الربيع من فصل وضياع حقوق، هل شاهدتم العمالة المصرية في ليبيا كيف يهربون تاركين خلفهم كل حقوقهم الوظيفية لينجو بأنفسهم، البعض من هذه الدول تعرض اقتصادها إلى انهيار، وضربت السياحة العربية في مقتل نتيجة استمرار حال العنف وعدم الاستقرار في سورية والعراق وتونس كلها مؤشرات أن حال الفوضى هي المشهد الأكثر حضوراً في عالمنا العربي.
رسالة التحذير التي وجهها العاهل السعودي مصحوبة بخيبة الأمل في مشروع مكافحة الإرهاب، فالمجتمع الدولي يقف متفرجاً مما يحدث سواء من الممارسات الإسرائيلية واستخدام الأسلحة الثقيلة لقتل الأبرياء العزل من الأطفال والنساء وكبار السن، فقد بلغ عدد القتلى نحو ألفي شهيد وأكثر من 8 آلاف جريح، وعرقلة خطة السلام المشتركة، فضلاً عن انهيار مقومات الحياة نتيجة حصار غزة.
الرسالة أشارت بطريقة غير مباشرة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وإلى الشريك الذي تخلى عن مبادئه كونه شريك مؤسس وشاهد لعملية السلام في الشرق الأوسط وفلسطين، الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول التي تلتزم الصمت لما يجري في غزة.
أصابع الاتهام طاولت الحكومة السعودية خلال أزمة غزة الأخيرة، والبعض حولها إلى تصفية حسابات، وتحركت أصابع أخرى معادية لتشير إلى دور الحكومة السعودية ورغبتها في نزع السلاح من «حماس»، واتهام مصر أنها لعبت دوراً في القضاء على الشعب الفلسطيني وبخاصة أهل غزة لإغلاقها معبر رفح، فيما في الطرف الآخر من الدول العربية قادة وسياسيون ومشايخ كانت مهمتهم تأجيج الخلاف وتعزيز الانقسام العربي وممارسة التحريض، بينما الحقيقة الغائبة أن القضية الفلسطينية لا تحلها العواطف ولا الانفعال المتزامن مع أية مواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومع ذلك بقيت السعودية على رغم كل التشكيك تسهم بدورها الريادي نحو القضية حينما قدمت تبرعاً بقيمة 100 مليون دولار لشراء المستلزمات الطبية والإسعافية، إنما السؤال الذي يتبادر إلى الذهن لماذا غابت بعض الدول عن مسؤوليتها تجاه القضية الفلسطينية، فبدلاً من حلها كانت تشعلها حرباً كلامية وسياسية من دون تحديد الهدف والرؤية.
لم يتفاعل المجتمع الدولي مع دعوة السعودية في 2005 حينما طالبت بإنشاء مركز لمكافحة الإرهاب ودعمت المشروع بقيمة 100 مليون دولار، هذه الخطوة لقيت حينها ترحيباً دولياً من المجتمع الدولي إنما على أرض الواقع انكشفت الحقيقة، فالكثير من الدول ترعى الإرهاب وتدعمه وتقدم له كل التسهيلات لأنه أوراق سياسية، لهذا لم يجد هذا المشروع النور، وحينما يقول الملك عبدالله إنه أصيب بخيبة أمل لأنه لم يجد الاهتمام الذي يسهم في توحيد الجهود الدولية، «وأذكر من مكاني هذا أننا دعونا منذ 10 أعوام في مؤتمر الرياض إلى إنشاء المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، وحظي المقترح بتأييد العالم أجمع في حينه، وذلك بهدف التنسيق الأمثل بين الدول، لكننا أصبنا بخيبة أمل بعد ذلك بسبب عدم تفاعل المجتمع الدولي بشكل جدي مع هذه الفكرة، الأمر الذي أدى إلى عدم تفعيل المقترح بالشكل الذي كنا نعلق عليه آمالاً كبيرة».
بقي القول إن ترك التخاذل في اتخاذ خطوات مهمة لمعالجة المشكلة والجلوس على طاولة الحوار في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية هو الحل، وممارسة المزيد من الضغوط على الدول العظمى لتطبيق العدالة في التعامل مع القضية، بخاصة أن حق الدفاع عن أنفسهم نتيجة الحصار الإسرائيلي أمر مشروع، إنما لا يمكن أن نركن إلى العواطف لمواجهة الأزمة. واستمرار الصراع بهذه الفوضى واستهداف الأبرياء لن يخدم الدول العظمي الراعية لعملية السلام، لهذا وجّه الملك عبدالله بن عبدالعزيز في نهاية رسالته بطريقة تشير إلى صعوبة الاستمرار بهذه الوضعية: «نقول لكل الذين تخاذلوا أو يتخاذلون عن أداء مسؤولياتهم التاريخية ضد الإرهاب من أجل مصالح وقتية أو مخططات مشبوهة، بأنهم سيكونون أول ضحاياه في الغد، وكأنهم بذلك لم يستفيدوا من تجربة الماضي القريب، والتي لم يسلم منها أحد». في مجمل القول، الرسالة حملت رداً بليغاً على كل من اتهم السعودية بتقصيرها تجاه ما يحدث في غزة وما تواجهه الأمة العربية من استخدام الإرهاب لتحقيق مكاسب سياسية وانتصارات على الورق.

اقرأ ايضاً لجمال بنون

الدعم الحكومي للسلع.. ذَهَبَ سدى
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
856
4.16 د
0
0
بعض الدول العربية.. تشبه اليونان
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
784
3.55 د
0
0
لا عمرة.. إلا بتصريح
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
839
4.11 د
0
0
السعودية تفتح نافذتها على روسيا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
753
3.45 د
0
0
الكلمات 753 | للقراءة 3.45 د | قراءة 272 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *