30 أغسطس 2014 4:40 ص
«داعش» والإعلام الأميركي

 من يراقب التصريحات الأميركية عن «داعش» وكيفية التغطية الإعلامية عن خطورته وقوته، ظن أننا نتعامل مع كائنات فضائية لديها أسلحة مرعبة لا نملك إزائها إلا الاستسلام والفرار، أو على أحسن الظروف كأنما هم دولة توازي قوة الاتحاد السوفياتي قبل التفكك والحرب الباردة مرة أخرى. أميركا بهذا السيناريو الجديد تخطط لشيء ما، ولهذا هي تمهد للرأي العام العالمي، ولشعبها قبل ذلك إلى الخطوة التالية التي لا نعلم ما هي تحديداً، فأميركا لا تستشير أحداً.
«داعش» منظمة إرهابية بزغت فجأة في أراضي العراق وسورية، ولكنها محاطة بأعداء لها من كل جانب، سواء في سورية أو العراق أو الأردن أو لبنان أو تركيا أو إيران أو حتى المعارضة السورية من «النصرة» إلى الجيش الحر. وكما يقال إن عدد أفراد التنظيم بين 30 إلى 50 ألف مسلح، لذا فأن هذا البعبع (الذي ضخمته أميركا بإعلامها وبالإعلام العربي ذي التبعية) قابلاً للسحل وبسهولة.
قبل أعوام كتبت شخصياً عن فيلم أميركي اسمه ذيل الكلب من بطولة روبرت دي نيرو وداستن هوفمان، وهو مأخوذ عن رواية تتحدث عن كيفية اختلاق حرب وهمية يشترك فيها الإعلام والاستخبارات، ويصنعون منها بطولة للرئيس الأميركي الذي كانت ستنتهي ولايته الأولى آنذاك بحيث يتم إعادة انتخابه (في الفيلم طبعاً).
من الصعب سرد تفاصيل الفيلم المذكور لكن عند مشاهدته لا تملك إلا الإعجاب والذهول لهذه القدرة على خداع الجماهير من جهة، ومن جهة أخرى تشعر بالإحباط الشديد والألم والحزن لأن الفيلم يعبر عن واقع مخادع تفرضه أميركا بإمبراطوريتها الإعلامية والتسويقية والاستخباراتية. يستطيع العالم الآن القضاء وبسهولة على «داعش» لأن قوته محدودة؟ ولكن كيف ذلك وما الثمن؟ لا ندري. ثم ماذا بعد ذلك؟ من يضمن ألا تبرز حركة إرهابية أخرى تتمسح بالدين؟ استعرضوا أسماء الأشخاص التي صنعت منهم أميركا رموزاً ثم قضت عليهم بعد ذلك، مثل أسامة بن لادن، وأبومصعب الزرقاوي هذا خلاف من هم يتبوؤن مواقع استراتيجية الآن وينتظرون ممارسة أدوارهم المقبلة. لا أقول إن أميركا صنعت «داعش»، ولكنها استغلت وجوده. ولا أطلب من أميركا أن تنهيه، فأميركا لا تنتظر توجيهاً، بل هي من تصدر الأوامر وهذه حقيقة يجب أن نعيها. لننسى أميركا ولنبدأ بأنفسنا، فالقضاء على الإرهاب يتطلب نقاطاً مهمة بدونها لا مجال لمنع انتشار التطرف والعنف.
أولاً التعليم، فلن تتغير الذهنيات المفرخة للإرهاب وهم ينشؤون بظل مناهج تأمرهم بعدم مصافحة الأجنبي، وكرهه واستغلاله واحتقاره، ولن تتغير العقليات وهم يشعرون أن جارهم الذي يلعب معهم في الشارع ويشاطرهم صحن الغداء ويقهقه معهم على موقف ظريف هو من طائفة أخرى يجب عدائه ومقاطعته كما علمتهم هذه المناهج. هناك من يقول إن العلة ليست بالمناهج مستشهداً بما يحدث من مسلمين أوروبيين شاركوا بأحداث عنف وإرهاب بينما هم قد نشؤوا في أوروبا، والحقيقة أن هذا ليس دقيقاً وسأتحدث عن العموم وليس الشواذ فحتى من شارك بأحداث عنف فقد تأثر من والديه وكما نعرف فالمجتمعات الشرقية عادة ما تنكمش على نفسها وتحرص على الحفاظ على هويتها الدينية والثقافية بالذهاب إلى المساجد والمراكز الدينية والمدارس الدينية في نهاية الأسبوع، وهنا مربط الفرس فالمتطرفون يتغلغلون من خلال هذه المنابر. المنابر عامل مهم آخر، فخطبة تعمل ما تعمله النار في الهشيم، فيستطيع الإمام تغيير الحق إلى باطل وزرع الفتنة والطائفية والإرهاب متى ما أراد.
النقطة الأخرى هي الإعلام الذي يجب قطعاً أن يكون شرساً في القضاء على الإرهاب من جهة، ومن جهة أخرى مراقبته لكي لا يصبح وسيلة لبث ثقافة الموت. وها قد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة للبعض لبث سمومه (مع أن الجميل فيها أنها متنفس ومنبر تنشر به الثقافة التنويرية المضادة لثقافة التخلف). العلاج لن يكون سهلاً، ولكن يجب أن تكون له بداية وما نراه الآن إنما هو حرب عسكرية وأمنية على الإرهاب وهذا غير كافٍ فجذوره باقية ومتغلغلة. البعض ينتظر من الأميركان أو الأوروبيين أن يقضوا على الإرهاب أو على «داعش»، وكأنما الأمر بهذه البساطة، ولربما غفل البعض أن أميركا تحديداً تنظر لكل ما يحدث في العالم من زاوية مصالحها أولاً، فإن أحست بالخطر انقلبت إلى نمر متوحش، أما إن كانت مصالحها في أمان (أو هكذا تعتقد) فإنها لا تهتم بما يجري في العراق أو ليبيا أو سورية أو لبنان أو غيرها.
بل ولربما العكس صحيح، فأي منطقة تلتهب في العالم فإنها بحاجة إلى السلاح وأميركا أهم مصدر له بالعالم فلسان حالها يقول مرحى بالحروب.

اقرأ ايضاً لأحمد الحناكي

«داعش» عدو يخطب الجميع ودّهُ.. أم يخشى وحشيته؟
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
696
3.28 د
0
0
طاقم «سيلفي» الرائع .. أناديكم أشُدُّ على «أياديكم»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
537
2.41 د
0
0
طاقم «سيلفي» الرائع .. أناديكم أشُدُّ على «أياديكم»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
539
2.41 د
0
0
الحنين إلى عهد «الديكتاتور»
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
571
2.51 د
0
0
الكلمات 571 | للقراءة 2.51 د | قراءة 273 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *