06 يناير 2014 2:57 ص
عفواً.. «لمى» لا تساوي قيمة برميل نفط

نزلت الكلمة مثل الصاعقة عليّ، حينما كانت إحدى الفضائيات تبث تقريراً عن الطفلة لمى الروقي التي سقطت منذ أكثر من أسبوعين في أحد الآبار المفتوحة في منطقة تبوك، رفع صوته قائلاً يريد أن يسمع كل من يجلس في الصالة، «يا حبيبي لو أن البير اللي طاحت فيه كان به نفط، كان عملوا المستحيل وفي زمن قياسي، لوجدت الطفلة لمى بين أسرتها وفي أحضان والديها»، رد عليه شخص كان يجلس في الطرف الآخر من المقهى الشعبي الذي جلست فيه، «خاف الله، مسؤولو الدفاع المدني لم يقصروا منذ أسبوعين، وهم يحاولون، وهذا أمر الله، مقدر ومكتوب»، وهكذا فجأة تحول حديث الناس، ومعظمهم من الناس البسطاء، سقوط الطفلة لمى هو الأهم، ترك حبة «الضومنة» والتفت إلى الخلف، وقال بصوت مسموع: «شوف يا عم رجب، فين الغلط؟ مين حفر البير؟ لا تتكلم في شي ما تعرفه»، مرة أخرى رد عليه صاحب الصوت الأول: «يا عمي وقت الحادثة فكر كيف تنقذ ولا تسأل مين السبب، لو أن هذه الحادثة في دولة ثانية لوجدت كيف الشركات والمؤسسات الحكومية كلها تتعاون في إنقاذ الطفلة»، وفجأة أطبق على المكان صمت، وحينما بحثت عن السبب، رأيت أن أحدهم غير القناة التي كانت تبث تقريراً عن فتاة البئر، وعادوا إلى وضعهم الطبيعي، وهكذا الأحداث، الناس لا تتذكرها إلا حينما تأتي قصتها أو تفتح سيرتها.
أذكر قبل شهرين وقع حريق كبير في إحدى محطات البنزين في جدة كيلو 14، وتبين أثناء التحقيقات أن سبب اتساع الحريق وانتشاره في شكل ملفت على المحال الأخرى هو علب المناديل التي كانت مخزنة داخل هذه المحطات، وكانت محطات الوقود منذ أعوام في الكثير من المدن تستخدم تقديم علب المناديل أو قارورة ماء صحة لمن يقوم بتعبئة البنزين من المحطة نفسها، وهكذا انتشرت ظاهرة علب المناديل المجانية، إلا أن الحريق الذي تسبب في مقتل وإصابة أشخاص، جعل الدفاع المدني يقرر منع العروض المجانية للمناديل، وهكذا بعد أعوام لم تتدخل خلالها لا وزارة التجارة ولا جهات رقابية أخرى في هذا الانفلات من أصحاب المحطات، لذا فمعظم الحلول لا تأتي إلا بعد الكوارث، وهذه إشارة إلى أنه بالفعل لا توجد لدى مؤسساتنا الحكومية والجهات الخدمية خطط أو دراسات استباقية ووقائية من الحوادث، والحال كذلك في المشاعر المقدسة خلال موسم الحج، تم منع دخول أنابيب الغاز بعد أن اكتوينا بالحرائق المتتالية والخسائر الكبيرة في المخيمات والأرواح، وهناك أمثلة كثيرة، كالتعامل مع سيول الأمطار، وستبقى خطط الطوارئ لدى الدفاع المدني مبنية على تجارب، وليست وفق دراسة واستراتيجية تعتمدان على خطط وافتراضات، يمكن القول أنها خطط على ورق، إنما على أرض الواقع للأسف الشديد لا يملكها سوى أفراد مترهلين غير مؤهلين، وليست لديهم خبرات في التعامل مع الحوادث.
بلد مثل السعودية كان يجب على أجهزة الدفاع المدني أن تعرف مكامن الخطر المتوقعة، وخصوصاً تلك التي تنشأ نتيجة استخدام الإنسان، كالمناطق التي يكثر فيها تربية المواشي والبهائم بخاصة الإبل، فيضطر أصحابها إلى حفر الآبار الارتوازية لسقاية هذه الحيوانات واستخدامهم الشخصي.
وساعد الانتشار السكاني العشوائي وزيادة أماكن تربية الحيوانات من انتشار حفر الآبار بالسعودية في شكل لافت ومزعج من دون رقابة أو متابعة، بل إن الجهات الحكومية وخصوصاً وزارة الزراعة تعتبرها من ضمن المشاريع التنموية لها، فهناك آبار حكومية وأخرى أهلية، وبذلك تقلل من كلفة إيصال المياه المحلاة إلى المناطق السكانية، وفي ظل غياب المسؤولية من الجهات الحكومية في إيصال المياه، لجأ الناس إلى حفر الآبار لتغطية حاجاتهم من المياه، يقال إن في الباحة وحدها يوجد أكثر من 3500 بئر ارتوازي، وعليكم أن تحسبوا كم يمكن أن يكون عددهم في مناطق مختلفة، وتحديداً في أم رقيبة التي تشهد حالياً سباقات لمزايين الإبل، ومنطقة تشتهر بتربية المواشي! كم تتوقعون أن يكون عدد الآبار؟ لا أستبعد أن تكون بالآلاف، تختفي بين الزرع والرمال والصخور.
تحديات البحث عن المياه في السعودية أزلية، وأمام هذا البحث المضني، رافقتها حوادث، مثل ما وقع للطفلة لمى وأسرتها، شهدنا الأعوام الماضية العديد من حوادث السقوط والانهيار والوفيات، والسبب أن مشكلة البحث عن الماء لا ترافقها احتياطات ولا أنظمة ولا قوانين، وربما لأن الشروط الحكومية صعبة وتعجيزية، لهذا يلجأ الناس إلى عمل تدابير تيسر لهم حياتهم، بعيداً عن أعين الحكومة والرقابة، ولذا فالمؤسسات الرقابية تغض الطرف، فلا توجد عقوبات لمن يخالف.
بحسب تقارير منظمات عالمية، فإن السعودية استنفذت 80 في المئة من المياه الجوفية إما لإهمال أو تبذير، وربما ضيعتها في زراعة القمح في الأعوام الماضية، وبحسب اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الأسكوا»، فإن السعودية ستشهد عام 2020 أزمة مائية، نتيجة ارتفاع استهلاك الفرد السعودي من المياه، وهو ما يعادل 95 في المئة من كمية الموارد المائية المتوافرة، وسيرتفع إلى 317 في المئة، بينما الكمية المتوافرة ستكون 217 في المئة، وهذا يعني أننا أمام عجز متوقع في الأعوام المقبلة،
أقترح إنشاء جمعية أهلية لأصحاب آبار المياه، تلتزم بالحفر والردم، وتسن قوانين وتشريعات تحمي الناس والموارد المائية من العبث، وتعازينا إلى أسرة لمى الروقي، فقد آلمنا جداً مضي أكثر من أسبوعين، ولم تتمكن أية جهة من انتشال جثتها، أعود وأكرر ما قاله أحد الحاضرين، لو أنها بئر نفط لفعلنا المستحيل، لأجل رفع أول برميل. 

اقرأ ايضاً لجمال بنون

الدعم الحكومي للسلع.. ذَهَبَ سدى
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
856
4.16 د
0
0
بعض الدول العربية.. تشبه اليونان
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
784
3.55 د
0
0
لا عمرة.. إلا بتصريح
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
839
4.11 د
0
0
السعودية تفتح نافذتها على روسيا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
753
3.45 د
0
0
الكلمات 753 | للقراءة 3.45 د | قراءة 162 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *