06 أكتوبر 2014 3:06 ص
ليلة سقوط صنعاء

 كان هذا في يوم الاحتفال باليوم الوطني للسعودية ومرور 84 عاماً على تأسيسه على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، كنت في أحد المقاهي المطلة على كورنيش جدة برفقة بعض الزملاء والأصدقاء، حيث كان أحد البرامج التلفزيونية تقدم لقاءات وأناشيد وأغنيات بهذه المناسبة السعيدة، ويصاحب هذه المشاهد واللقطات صور لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وصور أخرى لولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز وولي ولي الأمير مقرن بن عبدالعزيز، ومشاهد لمشاريع وشوارع وأطفال فرحين، في الطرف الآخر كنا نسمع أصوات فرح وسيارات ترفع من صوت المذياع لأغاني وطنية وشباب يعبِّرون عن فرحتهم برقصات ولباس ملون، وأطفال يطيِّرون بالونات عليها ابتسامات وذات ألوان بيضاء وخضراء.
في المقعد المجاور لنا كانت تجلس مجموعة من الأشخاص أعمارهم متفاوتة من 30 و60، كانوا سبعة، هكذا لمحتهم حينما جلسنا بجوارهم، لم ألتفت إليهم في بادئ الأمر، فالمقهى مليء ومزدحم بالناس، وجميعهم من الذكور، تركوا عائلاتهم بالقرب من البحر وجاءوا إلى المقهى ليمضوا بعض الوقت، وسط هذا الضجيج في المقهى كان صوت المتحدثين في المقعد المجاور الأعلى والأكثر وضوحاً، أحدهم رفع صوته وهو يشاهد صورة الملك عبدالله مرافقة لأحد الأناشيد الوطنية، فقال ليُسمع أصدقاءه الجالسين معه: «سرقونا يا طويل العمر»، فقال له صديقه بجواره: «يا أخي اخفض صوتك.. خلينا نفرح بلاش نكد، تجينا الحكومة وتشيلنا».
رد عليه صديقه الذي كان يتحدث: «لا يا حبيبي، ليش أخاف؟ أنا ما قلت شيء غلط، وما شتمت الحكومة. أنا قلت الحق، وهذا ما حاصل». رجل آخر كان يجلس في الصف الأخير من المقعد أطلق قهقهة قوية، وقال للحاضرين: «اتركوكم منه.. كلامه كثير ومجنون ومتخلف»، فأخذ صديقه الموضوع بسخرية على كلمة «مجنون ومتخلف» وقال بعتاب: «أنت شكلك خواف.. وكلام الحق لا أحد يخاف منه، يا حبيبي»، ثم اعتدل في جلسته وأكمل قائلاً: «الملك عبدالله، الله يطول لنا في عمره لو ما اكتشف أن البلد بتتسرق من موظفين ومتنفذين لما أنشأ هيئة مكافحة الفساد، هل تابعت تصريحات الملك عبدالله بعد كارثة سيول جدة، واللجنة التي شكلها ومحاسبة (كائناً من كان)»، وقبل أن يرتشف فنجان الشاي، قال لصديقه: «لولا وجود سرقات، لما قال الملك في جلسة الموازنة قبل عامين مخاطباً الوزراء: «نسمع عن مشاريع بس ما أشوفها». أما هذه معك فيها حق. هكذا رد صديقه الذي كان يسخر من كلامه.
السعوديون ذاكرتهم قوية، ولاسيما في ما يتعلق بتصريحات المسؤولين وحديثهم عن التنمية، فمثلاً قبل 35 عاماً كان مسؤولو الصرف الصحي يتحدثون بمبالغة شديدة عن اعتمادات مالية لمشروع الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، واكتشفوا بعد هذه العقود أن التصريحات كانت وهمية، وأن المبالغ ذهبت في جيوب المسؤولين والمقاولين، وبقيت الأغطية في الشوارع، كلام المواطن الذي كان يشاهد التلفزيون ويوجه كلامه إلى الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أن المسؤولين سرقونا، هو كلام صحيح وليس اتهاماً. هناك اعتمادات مالية خرجت تحت بند مشاريع، إلا أنها اختفت بشكل لا يمكن التحدث فيها بتفاصيل، في رمضان الماضي ألغت محكمة الاستئناف بالرياض صكوك أراض بمساحات تجاوزت نصف بليون مترمربع بقيمة 400 بليون ريال بحسب المؤشر الإحصائي بوزارة العدل، تورط فيها كُتاب عدل ومتنفذون، وفي حادثة أخرى وتعد الأكبر في مجال النصب والاحتيال على المواطنين، حينما ضاعت أموال المساهمين في إحدى الشركات المساهمة التي ادعت نجاحها وتفوقها، وفجأة أصبحت شركة هزيلة وضعيفة لتصبح قيمتها 4 بلايين ريال خلال فترة وجيزة، وبعد الاكتتاب وشراء المواطنين للأسهم بأسعار عالية وبعلاوة إصدار مبالغ فيها، وعند تحقيق الشركة للأرباح وصرف مكافآت بملايين الريالات تم بيع الشركة التي تجاوزت خسائرها المتعمدة رأس المال بـ300 مليون ريال، وأصبحت مهددة بالإيقاف والشطب النهائي ولا تساوي أسهمها التي يتملكها المواطنون شيئاً.
حالات الرشوة والسرقات وصلت في كل تعاملات المواطنين مع الأجهزة والمؤسسات الحكومية، وحجم المشاريع المتعثرة تزيد على تريليون ريال خلال السنوات الأربع الماضية بحسب تصريحات رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للهندسة المدنية الدكتور عبدالله الغامدي، وهذا الأمر -بحسب كلامه- ينذر بظهور آثار سلبية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، تؤثر كثيراً في التنمية وتقديم الخدمات للمواطنين.
حينما يقول مواطن موجهاً كلامه إلى أعلى سلطة في البلاد، إنه يتعرض للسرقة، فهذا نداءُ استغاثة، والحالات متشابهة، سواء أكانوا رجالاً أم نساء أم أطفالاً. هناك من يسرق حلم الشباب بوظائف وهمية ومرتبات متدنية لا تتساوى مع الخبرات والشهادات المهنية والعلمية، في شباط (فبراير) الماضي كشفت مصادر لصحيفة «عكاظ» تورط 56 شركة بإعلانها عن وظائف وهمية لسوق العمل، من دون توظيف الشبان والشابات في تلك الوظائف المعلنة، وأكدت فشل ما نسبته 50 في المئة من معارض التوظيف التي تعقد في المناطق كافة، بعد أن أثبتت دراسات أن شركة أعلنت وظائف وهمية لسوق العمل.
وليست الحال في السرقات من المال العام، بل وصل الأمر إلى التحايل، فإذا ما نفذ مشروع حكومي كان عملاً رديئاً ورخيصاً ولا ويرتقي إلى مستوى تطلعات القيادة في هذه البلاد. الكثير من المرافق الحكومية خدماتها للمواطنين دون المستوى. أغرقوا البلد بعمالة مهنية رخيصة، وأصبحت السوق مليئة بعمالة زائدة، إنما لعبة التأشيرات والمكاسب التي تتحقق لشركات الاستقدام وبائعي التأشيرات. الغلاء يتفشى بشكل كبير في كل مكونات الحياة: إيجارات شقق، السلع الغذائية، رسوم دراسة، وأصحاب الأراضي يسيطرون على السوق، والمستشفيات الحكومية حتى تحصل على موعد يكون أجلهم قد أتى، والمستشفيات والمستوصفات الأهلية محل جزارة واستنزاف جيوب. أتفق مع الرجل الذي كان يقف أمام التلفزيون ويقول: «سرقونا يا طويل العمر».

 بعد سكون وصمت طويلين خرجت أمريكا لتبشر عالمنا العربي بأنها ستقود حلفا عالميا لمحاربة إرهاب داعش في العراق!! كما أعلنت في الوقت نفسه أنها ستقف إلى جانب الفصائل السورية المعتدلة لكي تمكنها من مقاتلة داعش في سوريا وكذلك مقاتلة جيش الأسد، ولكنها أكدت أن حربها وحلفاءها مع داعش قد تطول عدة سنوات!!
صنّفت أمريكا وغيرها (داعش) أنها منظمة إرهابية – ونتفق معها في هذه التصنيف – كما أكد وزير خارجيتها (جون كيري) أن داعش تمارس أعمالا لا تتفق مع الإسلام، وأيضا نتفق مع جون على ما قاله، وقد قلته قبله ومرارا، ولكن هناك قضايا يصعب علينا فهمها وتحتاج من الرئيس أوباما ووزير خارجيته إلى توضيحها ليس لي وحدي بل لكل المسلمين في العالم فهم مثلي في أمس الحاجة لفهم بعض المصطلحات الأمريكية الغامضة!!
أولا: مصطلح الإرهاب أخذ زخما عالميا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد اتكأ عليه الأمريكان لتبرير احتلالهم لأفغانستان والعراق، ولأنهم يحاربون الإرهاب – كما يدعون – فليس هناك مايمنعهم من قتل أكثر من مليون مسلم وجرح وتشريد أضعاف هذا العدد، ومنذ أحداث عام 2001م – وقد قيل عن هذه الأحداث ما قيل – حاول الكثيرون وفي اجتماعات كثيرة جعل الأمريكان يحددون بدقة معنى مصطلح الإرهاب لكنهم عجزوا عن ذلك!! فالأمريكان رفضوا مرارا طرح معنى دقيق للإرهاب لتبقى لديهم القدرة على تكييف المعنى وإنزاله على الواقع كما يريدون، ولهذا رأينا أن هناك تناقضات كثيرة يستحيل فهما في هذا الاتجاه ؛ فداعش إرهابية لأنها قتلت مئات الأبرياء وبدأت تتمدد هنا وهناك على حساب الآخرين، ولكن هناك كثيرون فعلوا أسوأ مما فعلته داعش ولم نر أن أمريكا تحركت لقتالهم أو حتى وصفهم بالإرهابيين!! ومن هؤلاء: بشار الأسد الذي قتل أكثر من مائتي ألف وشرد بضعة ملايين، ومنهم مجموعة من الميليشيات الشيعية في العراق منها: عصائب الحق وفيلق بدر وغيرها، وأيضا الحوثيون في اليمن، وحكومة بورما التي قتلت الآلاف وغيرها من الدول والجماعات فكل هؤلاء لا تنطبق عليهم مواصفات أمريكا للإرهاب والإرهابيين ويبدو أن السبب هو أن القتلى هم من المسلمين السنة!!
ثانيا: قرر الأمريكان ومن تحالف معهم على مساعدة ودعم المعارضة المعتدلة في سوريا!! ومرة أخرى من هي المعارضة المعتدلة؟ وما هي مواصفات الاعتدال التي تجعلنا نعرف ببساطة أن هذه جماعة معتدلة وأن غيرها لا تنطبق عليه مواصفات الاعتدال؟!
هذا الغموض – وهو مقصود دون شك – يصب في مصلحة أمريكا تماما وذلك مثل مصلحتها في جعل مصطلح الإرهاب غامضا!! الجميع سوف يتساءل: من هي الجماعات المعتدلة حاليا في سوريا وما هي ميولهم السياسية وما هي علاقتهم بأمريكا ومتى بدأت؟!!
طبعا لا أحد سيجد إجابة واضحة على هذا السؤال لأن أمريكا وحدها هي من تعرف الإجابة وهي من تحدد معنى الاعتدال، ولكن هناك بعض تسريبات من داخل سوريا تقول: إن هناك حوالي إثني عشر جماعة يمكن لأمريكا اعتبارها معتدلة منها: حركة حزم وجبهة ثوار سوريا وصقور جبل الزاوية وجماعات أخرى شبيهة في توجهاتها بالجماعات التي أشرت إليها. وقيل إن هناك علاقات بين هذه الجماعات وبين أمريكا بشكل أو بآخر!!
إذن فأمريكا ستتعاون مع جماعات معتدلة داخل سوريا ولكن ماذا ستفعل هذه الجماعات بحسب الرؤية الأمريكية؟ قيل: إن عليها أن تحارب داعش في سوريا!! وقيل: إن أمريكا ستعطي سلاحا – ذو مواصفات خاصة – لهؤلاء المعتدلين كي يقاوموا نظام الأسد!! والواضح من مواصفات ذلك السلاح أنه لا يراد منه القضاء على نظام الأسد بل إطالة الحرب لهذه سنوات كما ذكر الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه!!
الواضح لي أن أمريكا ضخمت وبصورة هائلة قوة داعش ؛ فماذا تملك داعش من العدد والعدة مقارنة بأمريكا وحدها؟! فكيف بأربعين دولة مجتمعة وقد يزيد هذا العدد مستقبلا!! وهل ستصمد داعش عدة سنوات أمام هذه القوى كما قال القادة الأمريكان؟! ثم لماذا تشددت أمريكا ضد داعش العراق وتساهلت كثيرا أمامهم في سوريا ومعروف أنهم قد ينسحبون في أي لحظة إلى الداخل السوري ثم يعودون متى ما رأوا الفرصة سانحة إلى العراق!!
الأمريكان يعرفون قبل غيرهم أن داعش لا تشكل خطرا عليهم فماذا بقدرتها فعله تجاههم وهي لا تملك من مقومات القوة شيئا يعتد به؟! إن الذي أرجحه أن أمريكا بحاجة إلى المال فوجدت في هذه الحرب وفي إطالتها فرصة سانحة لتحقيق تلك الحاجة، هذا بالإضافة إلى أن أمريكا ومنذ سنوات طويلة وهي تحارب وبوسائل متعددة الإسلام السني المعتدل، وهذه الحرب هي التي تسببت وبصورة كبيرة إلى نشوء مسلمين غلاة متطرفين، والصورة الأوضح تبدو في سوريا، فلم تظهر أي جماعة متطرفة إلا بعد مدة طويلة من بداية الثورة وبعد أن صمتت أمريكا طويلا على جرائم الأسد بل ولم تسمح آنذاك بتسليح الثوار السوريين المعتدلين وكان فعلها من أهم أسباب نشوء التطرف في سوريا ومثلها العراق مع بعض الفوارق.
مجموعة كبيرة من علماء العراق وسوريا ومن مثقفيهم رفضوا التدخل الأمريكي ومن معهم في العراق أو في سوريا وأكدوا أن هذا التدخل سيزيد التطرف في كلا البلدين، كما أكدوا أن كل ما سيفعله الحلف هو قتل قلة من داعش وكثرة كثيرة من الأبرياء على غرار ما يحدث في أفغانستان والعراق واليمن وهذا هو الذي يوجد الغلاة والمتطرفين.
إن من مصلحة الفصائل السورية أن توحد جهودها ضد هدفها الذي قامت من أجله كي لا تترك فرصة لمن يتدخل في شؤونها، وعليها الابتعاد عن الغلو والغلاة، أما أمريكا واتحادها فعليهم معرفة أن عدم عدالتهم ستبقي الغلو مستمرا في المنطقة وإذا كان لأمريكا مصالح خاصة فعليها أن تحققها بغير إراقة دماء المسلمين سواء في العراق أم في سوريا.

اقرأ ايضاً لجمال بنون

الدعم الحكومي للسلع.. ذَهَبَ سدى
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
856
4.16 د
0
0
بعض الدول العربية.. تشبه اليونان
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
784
3.55 د
0
0
لا عمرة.. إلا بتصريح
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
839
4.11 د
0
0
السعودية تفتح نافذتها على روسيا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
753
3.45 د
0
0
الكلمات 753 | للقراءة 3.45 د | قراءة 127 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *