16 مارس 2015 4:22 ص
نريد مؤتمرات اقتصادية من دون أرقام مبالغة

 أشارك أهالي منطقة جازان فرحتهم بانعقاد المنتدى الاقتصادي، الذي أقيم الأسبوع قبل الماضي بحضور وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى، وتابعت عن بعد ما نُشر في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي من تصريحات وتطلعات إلى هذه المنطقة العريقة، وما طرح فيها من أفكار ومناقشات تهم أبناء المنطقة.
كان من المفترض أن أكون من بين الحضور إلى هذه الفعاليات بعد أن تلقيت دعوة من الجهة المنظمة، إلا أن سفري خارج البلاد منعني من الحضور والاستفادة من الجلسات وورش العمل التي أقيمت، ولكن تبقى جازان ومدنها ومحافظاتها واحدة من أهم المناطق التي زرتها أكثر من مرة.
تنقلت ما بين صبيا وجبال فيفا وجازان وجزر فرسان وأبوعريش وصامطة، وغيرها الكثير منها المنتدى الزراعي ومهرجان الحريد، الذي يقام سنوياً في جزر فراسان، ومنها دعوات شخصية وضمن قافلة الإعلام السياحي الذي تنظمه الهيئة العامة للسياحة.
وزرت بيوتاً وأعرف أصدقاء وزملاء في المنطقة، معظمهم مثقفون وأدباء ومفكرون، وكانت فرصة أن أزور جامعة جازان بمساحتها الشاسعة ومبناها الجميل وأقسامها المتعددة.
قرأت الكلمات التي ألقيت خلال المنتدى الاقتصادي في جازان. في البداية يجب أن نعترف أن المنتديات والمؤتمرات أصبحت جزءاً مهماً ضمن الأنشطة الترويجية والتسويقية لخدمات المنطقة، وفرصة لبحث المشكلات والمعوقات، وأيضاً ليقف الإعلاميون والكتاب على أهم حاجات المنطقة، ويزعجني في مشاركات المسؤولين رفيعي المستوى أنهم لا يطورون أنفسهم في اختيار الكلمات التي يلقونها، بما يتناسب مع المدينة أو الحدث، وعادة ما يسرد لنا من تقرير مطول سبق أن نُشر أو معلومات غير جديدة، وإذا جامل صرَّح بأرقام خيالية لا تتوقع أن تتحقق، وربما يتدوالها المراقبون من باب الطرافة والتندر.
من بين التصريحات التي لفتت الانتباه إعلان أحد المسؤولين المشاركين بطرح 75 ألف وظيفة في المنطقة، لا أعرف على أي أساس تم إطلاق مثل هذه المعلومة، وكان يمكن التريث أو عدم العبث بمشاعر الشبان والشابات، بإطلاق تصريحات هيامية، والأمر الآخر التصريحات التي خرجت تقول إن 42 شركة عالمية تتنافس لضخ أموالها في جازان، وهذا الخبر ذكرني قبل نحو عقدين إذ أقيم معرض في جدة لمستلزمات الأطفال، وبعد انتهاء المعرض نشرت إحدى الصحف تقريراً بعنوان: «حجم الصفقات في المعرض بلغت 100 مليون ريال»، فعلق أحد الظرفاء على العنوان: «صفقات أسلحة وليس معرض مستلزمات أطفال»، فكانت المبالغة في تناول الخبر من إضفاء أهمية على الحدث، يجعل بعض المسؤولين يتحمس في إطلاق الأرقام.
عُرف عن منطقة جازان أنها سلة غذاء السعودية، وهذا ما عرفنا عن هذه المنطقة ونسمع عنها؛ لما تتمتع به من مقومات أساسية للزراعة وخصوبة في الأراضي والمناخ، وبحسب معلوماتي أن المنطقة تتدفق عليها الأمطار والسيول على مدار العام، وجبالها التي استثمرها الأهالي بتوزيعها على شكل مدرجات زراعية، وتشتهر بزراعة المانجو، فضلاً عن فواكه أخرى من الحمضيات والورقيات وغيرها من الخضراوات، وأسهم مركز الأبحاث الزراعية في وادي جازان في تنفيذ تجارب عدة؛ من أجل تطوير المنتجات الزراعية، وبالفعل نجحت في زراعة الخضراوات وفواكه المناطق الاستوائية، ولعل من أهمها تصدير التين إلى دول عربية وأوروبية وآسيوية.
واستغربت كيف غاب عن المنتدى الاقتصادي وزير الزراعة؟ أو جلسات خاصة عن مستقبل الزراعة؟
الزائر إلى مدن ومحافظات جازان سيكتشف أن أهلها مولعون بالزراعة بطبيعة وجغرافية أرضها، ولا يخلو منزل أو شارع إلا وتشاهد وادياً تمر منه المياه إلى المزارع، حتى إن الكثير من رجال الأعمال بنوا بيوتاً من الطين ومزخرفة بالتراث الجازاني وألوانه المتعددة وتحولت إلى نزل وفنادق صغيرة يرتادها الزوار.
كنت أتمنى أن يتحدث المشاركون بواقعية أكثر، فشوارع المدينة معظمها لا تزال رملية وأرصفتها غير معبدة، جبل فيفا الصعود إليه بالنسبة إلى السياح والأهالي من أهم المعوقات، وغيرها من الجبال التي يقطنها الأهالي فيها خطورة، حدثني أحدهم حينما زرت الجبل، أن مياه الصرف الصحي تخترق الجبل من جنباته، ويهدد السكان، ويشكل تهديداً صحياً، أوضاع المدارس والمستشفيات، وحال جازان مثل معظم المناطق والمدن السعودية تعاني من تعثر المشاريع وسحبها من المقاولين، ولعل أهمها خروج الشريك الماليزي المطور لمشروع مدينة جازان الاقتصادية.
نعم، نفرح لأي منجز حضاري تنموي في أي مدينة سعودية ونفرح للأرقام التي تعلن وترصد للمشاريع، إلا أننا لا نفرح بالأرقام التي تعلن لتخدير الناس وإطلاق معلومات خاطئة، فجازان لا تزال تعاني من أعداد المتسللين الذين يدخلون إليها شهرياً، وتعاني أيضا ًمن تهريب القات والمخدرات، وتعاني كذلك من تهميش الجهات الحكومية وتصنيف المدينة ضمن الفئات المتأخرة في التنمية، لا تشعر أنك في مدينة متكاملة الخدمات في مجموعة قرى تحتاج إلى ورشة عمل كبيرة.
كنت أتمنى أن تتعامل الجهات الحكومية كل مدينة على حدة، بحسب تخصصاتها الجغرافية وطبيعة أرضها، وتكرس جهودها بأن تبقى مميزة ورائدة في أنشطتها التي عرفت عنها، وفي ظني لو أن وزارة الزراعة ومراكز الأبحاث طورت برامجها وكثفت من مخصصاتها للأبحاث والدراسات في مجال الزراعة، واستقطبت شركات أجنبية متخصصة من الصين والهند ومن دول أخرى، لأسهم ذلك في تطوير الزراعة وتحسينها، وأيضاً تحويل المنطقة إلى مدينة للأبحاث والتطوير الزراعي، وتوجيه جامعاتها ودعمها بموازنة تخصص في المجال الزراعي، سيسهم كثيراً، وربما أيضاً قد يفتح المجال أمام الشركات المحلية المتخصصة في الاستزراع السمكي وتربية المواشي ومزارع إنتاج البيض وتربية الدجاج، ومراكز الطب البيطري، وتحولت المنطقة إلى مدينة عالمية متخصصة، كما هي الحال في الصين، إذ تخصص مدن لنوعية محددة من الصناعات، بدلاً من إطلاق تصريحات هنا وهناك. حتى لا تتحول هذه المنتديات إلى مهرجان التصريحات الصحافية من دون رقيب. أقترح أن نقيم المؤتمرات المتخصصة التي تعود بالفائدة على المجتمع ونستفيد من تجارب دول أخرى.

اقرأ ايضاً لجمال بنون

الدعم الحكومي للسلع.. ذَهَبَ سدى
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
856
4.16 د
0
0
بعض الدول العربية.. تشبه اليونان
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
784
3.55 د
0
0
لا عمرة.. إلا بتصريح
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
839
4.11 د
0
0
السعودية تفتح نافذتها على روسيا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
753
3.45 د
0
0
الكلمات 753 | للقراءة 3.45 د | قراءة 92 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *