03 مايو 2015 1:39 ص
هيئة المحامين وتعزيز العدالة

 صدر الأسبوع الماضي تنظيم هيئة المحامين الذي طال انتظاره كثيرا، وسيكون خطوة مهمة نحو تعزيز العدالة في البلد بإذن الله، حيث إن مهنة المحاماة تُعتبر القضاء الواقف، وفي تعزيز وتطوير هذه المهنة مزيد ضمانة لعدالة مطالب المجتمع؛ كون رسالة المحامي الدفاع عن حقوق الناس وحفظها.
الحقيقة أن مهنة المحاماة تعتبر حديثة في السعودية نسبيا، فقد صدر أول نظام خاص للمحاماة في عام 1422، بينما تاريخ المحاماة في الدول المتقدمة يعود لمئات السنين التي نمت من خلالها المهنة وتراكمت خبراتها فيها، ففي فرنسا كان أول تشريع قانوني يؤسس للمحاماة يعود لعام 1344 -حسب بعض المصادر- أي قبل سبعة قرون تقريبا! وكذلك الوضع في إنجلترا حيث تعود بدايات مهنة المحاماة إلى 1150، وأخذت تتطور تدريجيا منذ ذلك الحين.
وجود هيئة مستقلة ترعى شؤون المهنة وتنظمها أمر في غاية الأهمية، فلا يمكن للمهنة أن تنمو وتنمو معها الكفاءة والنوعية إلا بوجود جهة تؤسس لهذا النمو والكفاءة، ولذلك نجد أن جميع دول العالم المتحضر بلا استثناء لا تخلو من هيئة أو ربما أكثر لأجل رعاية ومراقبة الخدمات القانونية.
تأسست أول نقابة للمحامين في أميركا عام 1878، وفي إنجلترا جمعية القانون المختصة بالمحامين المترافعين عام (1825) ونقابة المحامين الأرفع عام 1894، بل وفي مصر عام 1912 تحت اسم (مؤسسة تجمع أبناء المهنة الواحدة)، وهذا التأخر في إنشاء الهيئة أثر بلا شك في جودة ونوعية الخدمة القانونية التي يتم تقديمها، كما أثر بالتأكيد في الكفاءة والمعايير الواجب توفرها وتراكمها أيضا منذ زمن. تكمن أهمية قطاع المحاماة في كونه يقدم المساندة والمساعدة القانونية التي يحتاجها المجتمع باختلاف أنشطته ومشاكله. فالقطاع التجاري يحتاج إلى مستشار قانوني كفؤ يحميه ويساعده في معركة التنافس التجاري العالمي والمحلي، وهكذا المتهم في القضايا الجنائية يحتاج لمن يساعده بكفاءة، وقد يكون السبب في إنقاذ بريء من القتل أو ربما إهلاكه! فالمحصلة أن المحامي مثل الطبيب وأي صاحب مهنة في الحاجة إلى جهة تدعمه وتراقب جودة أدائه في نفس الوقت، وتساعده على التدريب والمعايير ونحوها.
سآخذ نموذجا متطورا كي يتضح لنا مدى تطور غيرنا في هذا المجال، وسيكون التركيز على النموذج البريطاني الذي يقود المدرسة الأنجلو ساكسون. حيث توجد في بريطانيا درجتان للمحامين عموما، وكل درجة لها سلم طويل للحصول على الرخصة.
الدرجة الأولى هي المحامي المترافع (Solicitor)، ويشترط للحصول على رخصة هذه الدرجة عدة أمور أهمها؛ الحصول على التأهيل الأكاديمي في القانون أولا، بعد ذلك يجب أن يتجاوز دورة ممارسة مهنية (Legal Practice Course) لمدة سنة، هذه الدورة تركز في الأساس على المهارات والتدريب العملي، وتضع معاييرها الدقيقة جمعية القانون (Law Society) وهيئة تنظيم المحامين المترافعين، وتعتبر هذه الدورة ذات صعوبة شديدة كونها تعتمد في اختبار تجاوزها على امتلاك المهارات وليس الحفظ للمقررات! وبعد تجاوز اختبار هذه الدورة فإنه يجب على المتقدم أن يمارس العمل القانوني لمدة سنتين (Trainee Solicitor) بمعايير رقابية معينة، وبعد ذلك يتقدم إلى هيئة تنظيم المحامين المترافعين (Solicitors Regulation Authority) ليطلب رخصة ممارسة (Practicing Certificate). هذا النوع من المحامين هم غالبا من يتواصل مع العملاء والمحتاجين للمساعدة القانونية، كما أنهم هم من يقوم بالترافع والتواصل المباشر مع المحكمة في درجاتها الابتدائية خاصة.
وهناك أيضا درجة أعلى للمحامين الذين يطلق عليهم أعضاء البار (Barristers)، وهؤلاء يتحولون غالبا إلى شخصيات مهمة وكبيرة بمجرد الحصول على هذه الدرجة التي قد تقارن بالدكتوراه العالمية، فالمحامي عضو البار غالبا يكون ممارسا ومحترفا في المحاماة وتقديم الاستشارات القانونية، وكي يصبح عضوا يجب عليه سلسلة متطلبات من أهمها؛ الحصول على عضوية ما يسمى (Inns of Court) حيث يبدأ كطالب عضوية، ثم يتقدم على دورة اختبار الأهلية (Bar Course Aptitude Test) وهو اختبار قدرات يشرف عليه ويضع معاييره مجلس البار (Bar Standards Board) وهو مجلس تابع لما هو أشبه بالهيئة العليا (Bar Council)، ليدخل بعدها المتقدم في دورة مهنية (Bar Professional Training Course) لمدة سنة، ثم تتلوها مرحلة الممارسة (Pupillage) لمدة 12 شهرا. وبالمناسبة؛ فإن بعض دول الكومنوولث تشترط لعضو البار أن يحصل على تصريح في حال أراد تمثيل العميل أمام المحكمة (right of audience)، حيث إن هذا من اختصاص المحامي المترافع فقط، خاصة في المحاكم الابتدائية (يمكن الجمع بين درجتي المحاماة هاتين بالحصول على الرخصتين).
نلاحظ التعقيد الطويل للحصول على رخصة الممارسة القانونية البريطانية، ولكن بلا شك أننا نحتاج إلى مراحل طويلة ومتدرجة للوصول إلى هذا المستوى، فالقاضي لدينا الذي يحتاج إلى مزيد من الاشتراطات والمعايير لا يتطلب اختياره -حسب أنظمتنا الحالية- نصف هذه المعايير والاشتراطات، فما بالك بالمحامين. ولكن أردت من هذا العرض إيصال رسالة لأهمية تطوير ورفع مستوى ومعايير مهنة المحاماة لدينا، وهي أيضا رسالة إلى أهمية تطوير معايير اختيار القضاة وتأهيلهم أيضا، الأمر الذي أعلم أن وزارة العدل تعمل حاليا بجد في هذا السياق.
المهم أن الفائدة المرجوة هو أن يكون القاضي والمحامي يشترط لهما أن يتجاوزا اختبارات مهنية قبل ممارسة المهنة، هذه الاختبارات يجب أن تكون مهنيّة تطبيقية في الدرجة الأولى، ولها معايير دولية تضمن التحقق من المَلَكَة والقدرة المهنية وليس مجرد الحفظ، كما تضمن المساواة والشفافية في الممارسة أيضا.
كتبت هذه المقالة المختصرة بمناسبة تأسيس هيئة المحامين (اجتهدت في ضغط واختصار المعلومات بشدة)، وكلي أمل في مستقبل الهيئة وقيامها بالدور المنشود نحو النهوض بهذه المهنة والرفع من مستواها والتأسيس لعهد جديد من العدالة والحقوق للمجتمع بقيادة خادم الحرمين، حفظه الله.

اقرأ ايضاً لأسامة القحطاني

بين داعش والنصرة.. المقاومة الفكرية أولا
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
737
3.41 د
0
0
“مذهبة” الدين وعقيدة المذهب
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
820
4.60 د
0
0
الوحدة الوطنية بيد “الشورى”!
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
843
4.12 د
0
0
الحاجة للمحامي والحاجة للطبيب
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
686
3.25 د
0
0
الكلمات 686 | للقراءة 3.25 د | قراءة 233 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *