27 يونيو 2015 4:00 ص
«هُزِمَ» الكونفيديراليون.. وبقي علمهم

  بعد تراجيديا مقتل تسعة أشخاص داخل كنيسة للسود في ساوث كارولينا على يد شاب أبيض، ثار الجدل حول «علم الكونفيديرالية» من جديد في بعض الولايات الجنوبية في أميركا، ولاسيما تلك التي مازالت ترفع علم المهزومين.
عاد النقاش في شأن العلم لأسباب مختلفة، منها تبني القاتل للعلم، والاستفزاز الذي حصل بعد تنكيس علم الولايات المتحدة وعلم الولاية في ساوث كارولينا وبقاء علم الكونفيديرالية غير منكس، ما جعل الرئيس أوباما يتحدث عن الموضوع ويصرح بأن علم الكونفيديرالية يجب ألا يبقى إلا في المتحف. بينما يرفع العلم اليوم في مؤسسات عدة في الولايات الجنوبية لأسباب مختلفة.
علم الكونفيديرالية يرمز إلى الطرف المهزوم في الحرب الأهلية الأميركية التي خاضها الأميركيون بين 1861 و1865. أعلنت الولايات الجنوبية رغبتها في الانفصال عن الاتحاد؛ لأسباب مختلفة، منها الخلاف على مسألة العبودية. ليقود أبراهام لنكولن حرباً مدمرة على الولايات الجنوبية؛ من أجل منع انفصالها. وتمت إبادة معظم قوات الولايات الجنوبية، ليتم وصف أبراهام لنكولن من بعض المؤرخين باعتباره أكثر شخص قتل أميركيين، على رغم أمجاده بالحفاظ على الاتحاد، التي تجعل لنكولن أبرز «الآباء المؤسسين».
كانت التباينات كبيرة بين الشمال والجنوب، فالشمال يعتمد على الصناعة عصباً للاقتصاد، بينما يعتمد الجنوب آنذاك على زراعة القطن. وبينما كانت العبودية عصب الاقتصاد الزراعي كانت تتناقض مع الاقتصاد الصناعي الذي يحتاج إلى تقسيم المجتمع على أسس مختلفة عن مبدأ السادة والعبيد. لذا دائماً يُنظر إلى تحرير العبيد في الولايات المتحدة على أنها مصلحة اقتصادية بالدرجة الأولى بالنسبة للولايات الشمالية أكثر من كونه موقفاً أخلاقياً. فتحرير العبيد في الجنوب سيحررهم من العمل في الزراعة تحت سلطة أسيادهم، ما يجعلهم يذهبون إلى الشمال للبحث عن حياة أفضل، ليصبحوا عمالة رخيصة في مصانع الرأسماليين الشماليين.
ربما يدلل على هذه الفكرة – أن الموقف الأخلاقي لم يكن محركاً أساسياً لتحرير العبيد- استمرار الفصل العنصري في الجنوب إلى ستينات القرن الماضي، بل هناك عبارات لنكولن نفسها، التي تؤكد على أن حفظ الاتحاد هو المحرك لكل مواقفه السياسية، ومقدم على كل شيء، حتى إنهاء مؤسسة العبودية في الجنوب.
يحاول مؤرخون إعادة النظر في مؤسسة العبودية في الجنوب، باعتبارها لم تكن بالسوء الذي تطرح عليه من الشماليين، أو بنظر المنتصرين اليوم. باعتبار العبودية مؤسسة اجتماعية استفادت منها كل الأطراف في المجتمع. بغض النظر عن هذه الفكرة التي تحاول إعادة تقويم ما حدث، ما زال بعض الأميركيين ينظرون إلى الاتحاد القائم اليوم على أنه قوة احتلال للولايات الجنوبية، لذا يرمز علم الكونفيديراليين إلى التحرر من سلطة الحكومة الفيديرالية، التي فرضت هيمنتها وتوسعت، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. كما يرمز إلى تفوق البيض العرقي.
نشرت «واشنطن بوست» تقريراً مثيراً في الـ22 من الشهر الجاري بعنوان: «لماذا يحمل مشجعو كرة القدم بإيطاليا وأماكن أخرى علم الكونفيديرالية؟»؛ ليتحدث عن انتشار العلم المهزوم في مناطق مختلفة من العالم، من ألمانيا حتى البرازيل. فبينما كان انتشار العلم في البرازيل مفهوماً؛ باعتبار أن آلاف المهزومين في الحرب غادروا الولايات المتحدة إلى البرازيل بعد سيطرة الشماليين على الجنوب، ومازال ذووهم يحتفلون بذكرى إعلان الكونفيديرالية، فإن الأمر يتخذ سياقاً مختلفاً في ألمانيا. إذ يتم تداول رموز الكونفيديرالية الأميركية العنصرية بديلاً عن رموز النازية المحظورة في معظم دول أوروبا. فالهوس بالعنصرية ضد الأعراق الأخرى، والإيمان بتفوق العرق الأبيض في ألمانيا، هو ما يجعل الاحتفاء بالعلم يحدث. يعود النقاش حول علم الكونفيديرالية في الولايات المتحدة في لحظة حساسة بعلاقة البيض بالسود، فخلال عامين تم التركيز بشكل كبير على حوادث القتل التي ارتكبها رجال شرطة بيض ضد مدنيين سود أبرياء، وعمت مظاهرات ضد ما يوصف بأنه جرائم عنصرية ولايات أميركية مختلفة، ابتداء من فيرغسون في ولاية ميسوري، حتى نيويورك؛ للاحتجاج على ممارسات الشرطة العنصرية، ومحاولة الضغط لإيجاد تشريعات جديدة داخل المؤسسة الأمنية تكفل نهاية حوادث القتل المؤسفة ضد مواطنين أبرياء لمجرد الاشتباه بهم؛ بسبب لون بشرتهم.
لكن، يبدو أن حادثة القتل التي حدثت في كنيسة للسود في نورث كارولينا وضعت في سياق مختلف نوعاً ما هذه المرة، إذ بالحديث عن إيمان مرتكب الجريمة بأفكار الكونفيديرالية وتبنّيه علمها، تم تحوير النقاش باعتبار الجريمة جزءاً من الإرث المظلم الأميركي التاريخي، جزءاً من الماضي الكونفيديرالي الذي يجب تجاوزه، في محاولة لفصل هذه الجريمة عن سياق التمييز العنصري غير القانوني ضد السود، الذي يحدث حتى على مستوى مؤسسات فيديرالية، ما يجعل السود يشعرون بالتهميش الاقتصادي والسياسي على رغم كون رئيس الولايات المتحدة منهم.
لا يتوقع أن ينتهي الحديث عن العنصرية بإنهاء الجدل حول علم الكونفيديرالية، ولا بوضع مجزرة ساوث كارولينا في سياق إرث الكونفيديراليين. فما يحدث في الولايات المتحدة أعمق من مجرد محاولة محاربة العنصرية، أو النفور من سلوكيات عنصريين قلة، أو شجب خطاب كراهية عنصري. إننا نعيش بداية نهاية مفهوم الغالبية والأقلية في أميركا. إذ إن التغير الديموغرافي، وتصاعد الهجرة، كلها عوامل تجعل هيمنة البيض السياسية والاقتصادية والثقافية في الولايات المتحدة على المحك خلال العقود المقبلة، ما يجعل التوتر الاجتماعي علامة على موازين قوى يجب أن تتغير.

بعد تراجيديا مقتل تسعة أشخاص داخل كنيسة للسود في ساوث كارولينا على يد شاب أبيض، ثار الجدل حول «علم الكونفيديرالية» من جديد في بعض الولايات الجنوبية في أميركا، ولاسيما تلك التي مازالت ترفع علم المهزومين.
عاد النقاش في شأن العلم لأسباب مختلفة، منها تبني القاتل للعلم، والاستفزاز الذي حصل بعد تنكيس علم الولايات المتحدة وعلم الولاية في ساوث كارولينا وبقاء علم الكونفيديرالية غير منكس، ما جعل الرئيس أوباما يتحدث عن الموضوع ويصرح بأن علم الكونفيديرالية يجب ألا يبقى إلا في المتحف. بينما يرفع العلم اليوم في مؤسسات عدة في الولايات الجنوبية لأسباب مختلفة.
علم الكونفيديرالية يرمز إلى الطرف المهزوم في الحرب الأهلية الأميركية التي خاضها الأميركيون بين 1861 و1865. أعلنت الولايات الجنوبية رغبتها في الانفصال عن الاتحاد؛ لأسباب مختلفة، منها الخلاف على مسألة العبودية. ليقود أبراهام لنكولن حرباً مدمرة على الولايات الجنوبية؛ من أجل منع انفصالها. وتمت إبادة معظم قوات الولايات الجنوبية، ليتم وصف أبراهام لنكولن من بعض المؤرخين باعتباره أكثر شخص قتل أميركيين، على رغم أمجاده بالحفاظ على الاتحاد، التي تجعل لنكولن أبرز «الآباء المؤسسين».
كانت التباينات كبيرة بين الشمال والجنوب، فالشمال يعتمد على الصناعة عصباً للاقتصاد، بينما يعتمد الجنوب آنذاك على زراعة القطن. وبينما كانت العبودية عصب الاقتصاد الزراعي كانت تتناقض مع الاقتصاد الصناعي الذي يحتاج إلى تقسيم المجتمع على أسس مختلفة عن مبدأ السادة والعبيد. لذا دائماً يُنظر إلى تحرير العبيد في الولايات المتحدة على أنها مصلحة اقتصادية بالدرجة الأولى بالنسبة للولايات الشمالية أكثر من كونه موقفاً أخلاقياً. فتحرير العبيد في الجنوب سيحررهم من العمل في الزراعة تحت سلطة أسيادهم، ما يجعلهم يذهبون إلى الشمال للبحث عن حياة أفضل، ليصبحوا عمالة رخيصة في مصانع الرأسماليين الشماليين.
ربما يدلل على هذه الفكرة – أن الموقف الأخلاقي لم يكن محركاً أساسياً لتحرير العبيد- استمرار الفصل العنصري في الجنوب إلى ستينات القرن الماضي، بل هناك عبارات لنكولن نفسها، التي تؤكد على أن حفظ الاتحاد هو المحرك لكل مواقفه السياسية، ومقدم على كل شيء، حتى إنهاء مؤسسة العبودية في الجنوب.
يحاول مؤرخون إعادة النظر في مؤسسة العبودية في الجنوب، باعتبارها لم تكن بالسوء الذي تطرح عليه من الشماليين، أو بنظر المنتصرين اليوم. باعتبار العبودية مؤسسة اجتماعية استفادت منها كل الأطراف في المجتمع. بغض النظر عن هذه الفكرة التي تحاول إعادة تقويم ما حدث، ما زال بعض الأميركيين ينظرون إلى الاتحاد القائم اليوم على أنه قوة احتلال للولايات الجنوبية، لذا يرمز علم الكونفيديراليين إلى التحرر من سلطة الحكومة الفيديرالية، التي فرضت هيمنتها وتوسعت، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. كما يرمز إلى تفوق البيض العرقي.
نشرت «واشنطن بوست» تقريراً مثيراً في الـ22 من الشهر الجاري بعنوان: «لماذا يحمل مشجعو كرة القدم بإيطاليا وأماكن أخرى علم الكونفيديرالية؟»؛ ليتحدث عن انتشار العلم المهزوم في مناطق مختلفة من العالم، من ألمانيا حتى البرازيل. فبينما كان انتشار العلم في البرازيل مفهوماً؛ باعتبار أن آلاف المهزومين في الحرب غادروا الولايات المتحدة إلى البرازيل بعد سيطرة الشماليين على الجنوب، ومازال ذووهم يحتفلون بذكرى إعلان الكونفيديرالية، فإن الأمر يتخذ سياقاً مختلفاً في ألمانيا. إذ يتم تداول رموز الكونفيديرالية الأميركية العنصرية بديلاً عن رموز النازية المحظورة في معظم دول أوروبا. فالهوس بالعنصرية ضد الأعراق الأخرى، والإيمان بتفوق العرق الأبيض في ألمانيا، هو ما يجعل الاحتفاء بالعلم يحدث. يعود النقاش حول علم الكونفيديرالية في الولايات المتحدة في لحظة حساسة بعلاقة البيض بالسود، فخلال عامين تم التركيز بشكل كبير على حوادث القتل التي ارتكبها رجال شرطة بيض ضد مدنيين سود أبرياء، وعمت مظاهرات ضد ما يوصف بأنه جرائم عنصرية ولايات أميركية مختلفة، ابتداء من فيرغسون في ولاية ميسوري، حتى نيويورك؛ للاحتجاج على ممارسات الشرطة العنصرية، ومحاولة الضغط لإيجاد تشريعات جديدة داخل المؤسسة الأمنية تكفل نهاية حوادث القتل المؤسفة ضد مواطنين أبرياء لمجرد الاشتباه بهم؛ بسبب لون بشرتهم.
لكن، يبدو أن حادثة القتل التي حدثت في كنيسة للسود في نورث كارولينا وضعت في سياق مختلف نوعاً ما هذه المرة، إذ بالحديث عن إيمان مرتكب الجريمة بأفكار الكونفيديرالية وتبنّيه علمها، تم تحوير النقاش باعتبار الجريمة جزءاً من الإرث المظلم الأميركي التاريخي، جزءاً من الماضي الكونفيديرالي الذي يجب تجاوزه، في محاولة لفصل هذه الجريمة عن سياق التمييز العنصري غير القانوني ضد السود، الذي يحدث حتى على مستوى مؤسسات فيديرالية، ما يجعل السود يشعرون بالتهميش الاقتصادي والسياسي على رغم كون رئيس الولايات المتحدة منهم.
لا يتوقع أن ينتهي الحديث عن العنصرية بإنهاء الجدل حول علم الكونفيديرالية، ولا بوضع مجزرة ساوث كارولينا في سياق إرث الكونفيديراليين. فما يحدث في الولايات المتحدة أعمق من مجرد محاولة محاربة العنصرية، أو النفور من سلوكيات عنصريين قلة، أو شجب خطاب كراهية عنصري. إننا نعيش بداية نهاية مفهوم الغالبية والأقلية في أميركا. إذ إن التغير الديموغرافي، وتصاعد الهجرة، كلها عوامل تجعل هيمنة البيض السياسية والاقتصادية والثقافية في الولايات المتحدة على المحك خلال العقود المقبلة، ما يجعل التوتر الاجتماعي علامة على موازين قوى يجب أن تتغير.

اقرأ ايضاً لبدر الراشد

«هُزِمَ» الكونفيديراليون.. وبقي علمهم
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
744
3.43 د
0
0
«هُزِمَ» الكونفيديراليون.. وبقي علمهم
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
746
3.43 د
0
0
لم يهزموا.. لكن أرواحهم نفرت
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
691
3.27 د
0
0
«العبادي» التائه.. في حضرة أوباما
الكلمات
للقراءة
متفق
مختلف
697
3.29 د
0
0
الكلمات 697 | للقراءة 3.29 د | قراءة 528 | تعليقات 0
0%
0%

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *